فهرس الكتاب
وذلك أنه كان عند الشيخ مريد شاب حدث أبوه من الأكابر، فلما قال ذلك المريد أنا أطيق السر قال له الشيخ: إني سأعطيك إن شاء الله السر. فأمره بالمقام عنده، ثم إن الشيخ أمر الشاب الحدث بالإختفاء في مكان بحيث لا يظهر لأحد. ثم أدخل الشيخ خلوته كبشا فذبحه وجعل على ثيابه شيئا من الدم، فخرج على المريد السابق والسكين في يده والدم يسيل على يده وهو في صورة الغضبان، فقال المريد: ما عندكم يا سيدي؟ فقال: إن الشاب الفلاني أغضبني فما ملكت نفسي أن ذبحته، فها هو في ذلك المكان مذبوح -يشير إلى الخلوة التي ذبح فيها الكبش- فإن أردت السر يا ولدي فاكتم هذا الأمر ولا تذكره لأحد، وإن سألني عنه أبوه فإني أقول له مرض ولدك ومات، فإنه يصدقني ويحصل في المسألة لطف، فعساك يا ولدي تساعدني على هذا الأمر وتسترني فيه، فإن فعلت فأنا أعطيك السر إن شاء الله تعالى. فقال المريد وقد تمعر وجهه، وظهر غيظه، حيث ظن أن الشيخ في قبضته: سأفعل، بكلام يظهر منه الكذب. ففارق الشيخ وذهب سريعا إلى والد الشاب وأعلمه بالقصة، وقال له: إن الشيخ الكذاب الذي كنتم تعتقدون فيه الخير قتل ولدكم في هذه الساعة، وجعل يرغبني أن أستره، ويطلب مني أن أكتمه عنكم، وإن شككتم في الأمر فاذهبوا معي الساعة فإنكم تجدون ولدكم يتشحط في دمه. فقال له الناس: ويحك، فإن سيدي فلانا لا يفعل هذا، ولعل الأمر شبه عليك. فقال لهم: اذهبوا معي حتى يظهر صدقي أو كذبي. ففشا قوله في الناس وسمع به أرباب الدولة، فأقبلوا إلى الشيخ سراعا والمريد أمامهم، حتى وقفوا على خلوة الشيخ فقرعوا الباب فخرج الشيخ وقال لهم: مالكم، وأي شيء أقدمكم؟ فقالوا له: ألا تسمع ما يقول هذا؟ يشيرون إلى المريد. فقال له الشيخ: وأي شيء كان؟ فقال له المريد: الذي كنت ترغبني فيه وتطلب مني كتمانه هو الذي كان. فقال الشيخ: ما وقع بيني وبينك شيء، وما كلمتك قط. فقال المريد: الكذب لا ينجيك، قد قتلت ولد الناس.