فهرس الكتاب
قال رضي الله عنه: ولو أن الناس الذين ألفوا في الكرامات قصدوا إلى شرح حال الولي الذي وقع التأليف فيه فيذكرون ما وقع له بعد الفتح من الأمور الباقية الصالحة والأمور الفانية، لعلم الناس الأولياء على الحقيقة، فيعلمون أن الولي يدعو تارة فيستجاب له وتارة لا يستجاب له، ويريد الأمر فتارة يقضى وتارة لا يقضى، كما وقع للأنبياء والرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، ويزيد الولي بأنه تارة تظهر الطاعة على جوارحه، وتارة تظهر المخالفة عليها كسائر الناس، وإنما امتاز الولي عنهم بأمر واحد، وهو ما خصه الله تعالى من المعارف ومنحه من الفتوحات، ومع ذلك فالمخالفة إن ظهرت عليه فإنما هي بحسب ما يظهر لنا لا في الحقيقة، لأن المشاهدة التي هو فيها تأبى المخالفة وتمنع من المعصية منعا لا ينتهي إلى حد العصمة حتى تزاحم الولاية النبوة، فإن المنع من المعصية ذاتي في الأنبياء عرضي في الأولياء، فيمكن زواله في الأولياء ولا يمكن زواله في الأنبياء. وسره ما سبق وهو أن خير الأنبياء من ذواتهم، وخير الأولياء من غير ذواتهم. فعصمة الأنبياء ذاتية وعصمة الأولياء عرضية، فإن العارف الكامل إذا وقعت منه مخالفة فهي صورية لا حقيقية قصد بها امتحان من شاهدها واختاره، ولذلك أسرار. فنطلب من الله تعالى أن يوفقنا للإيمان بأوليائه، كما وفقنا للإيمان بأنبيائه عليهم الصلاة والسلام.