فهرس الكتاب
ثم ذكر رضي الله عنه أن رجلا من الجزائر سمع بولي في فاس، ونقلت إليه عنه كرامات كثيرة، فصوره في نفسه في صورة شيخ كبير له هيبة عظيمة، فارتحل إليه لينال من أسراره. فلما وصل مدينة فاس سأل عن دار ذلك الولي فدل عليها، وكان يظن أن لذلك الولي بوابين يقفون على باب دراه، فدق الباب فخرج الولي، فقال القاصد: يا سيدي أريد منكم أن تشاوروا على سيدي الشيخ. وظن أن الخارج إليه بواب. فقال له الولي: الذي قصدته من بلادك وسرت إليه مسيرة شهر أو أكثر هو أنا لا غير. فقال: يا سيدي أنا رجل غريب، وجئت إلى الشيخ بشوق عظيم فدلني عليه يرحمك الله. وذلك أنه نظر إلى الولي فلم يجد عليه شارة ولا صورة عظيمة، فقال له الولي: يا مسكين أنا هو الذي تريد. فقال القاصد: أنا أقول لكم إني غريب وطلبت منكم أن تدلوني على الشيخ وأنتم تسخرون بي! فقال له الولي: الله بيننا إن سخرت بكم. فقال له القاصد: الله حسبك. وانصرف حيث وجده على غير الصورة التي صورها في فكره.
قلت: وكم واحد سقط من هذا السبب، فإن إذا طالع الكتب المؤلفة في كرامات الأولياء صور الولي على نحو ما سمع في تلك الكتب، فإذا عرض تلك الصورة على أولياء زمانه شك فيهم أجمعين، لما يشاهد فيهم من الأوصاف التي لا تكتب في الكتب، ولو أنه شاهد الأولياء الذين دونت كراماتهم قبل تدوينها لوجد فيهم من الأوصاف ما أنكره على أهل زمانه. وقد يبلغ الجهل بأقوام إلى إنكار الولاية عن كل موجود من أهل زمانهم، لما استحكم في عقولهم من حصر الولاية وتحقيقها بالضوابط، فإذا نزل تلك الضوابط على موجود من أهل زمانه وجدها لا تطابقه، فينفي الولاية عنه، ويصير حاصله أنه يؤمن بولي كلي لا وجود له في الخارج، ولم يدر أن الولاية هي مجرد اصطفاء من الله تعالى لعبده، ولا يقدر على ضبطها مخلوق من المخلوقات.