الصفحة 517 من 761

ووقعت لي مناظرة أخرى مع بعض الفقراء المنتسبين إلى خدمة الصالحين رضي الله عنهم، وذلك أني كنت أنا وهو نختلف إلى بعض الأولياء كثيرا، فلما مات ذلك الولي، جعلت أختلف إلى ولي آخر وبقي هو في زاوية الأول، فلما لقيني ذات يوم، فقال: أردت نصيحتك يا فلان. فقلت: حبا وكرامة، وعلى الرأس والعين. وقد فهمت مراده. فقال: إنك كنت أولا مع سيدي فلان وكانت ولايته لا يشك فيها اثنان، وقد ذهبت اليوم إلى غيره، فأنت بمثابة من ترك الجواهر واليواقيت واستبدلها بالأحجار. فقلت: أنت تتكلم عن بصيرة أو عن غير بصيرة؟ فإن كان كلامك عن بصيرة فاذكرها لنا حتى نذكر لك ما عندنا، وإن كان كلامك عن غير بصيرة فاذكر دليله. فقال لي: ظاهر مثل الشمس. فقلتُ له: فإن قال لك قائل إن كلامك هذا يبعدك من الله ويقربك من الشيطان فقلتَ له فما دليلك فقال لك ظاهر مثل الشمس، فبم تجيبه؟ فسكت ولم يدر ما يقول، ثم قلت له: إني فكرت في دليلك وجلت بخاطري في برهانك فلم أجد لك دليلا إلا أمرا واحدا. فقال لي: وما هو؟ فقلت: إنك تزعم أنك شريك لله في ملكه بحيث لا يعطي شيئا ولا يفتح على شيء إلا بإذنك، والفتح على الرجل الذي تنكر عليه لم يقع بإذنك ولا يقدر الله تعالى على إعطائه إلا بإذنك، فمن هذا الطريق تهيأ لك الإنكار على عباد الله الصالحين، ولو كنت تعتقد أن الله لا شريك له في ملكه، ولا منازع له في عطائه، لسلمت لعباد الله ما أعطاهم ربهم عز وجل من الخيرات. فقال الفقير: أنا تائب إلى الله تعالى، أنا تائب إلى الله تعالى، أنا تائب إلى الله تعالى، الحق ما تقول، والله ما نحن إلا فضوليون وما كنا ننكر إلا بالباطل، والله الموفق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت