الصفحة 519 من 761

وأما المخطئة فحكم الله عندهم واحد لا يتعدد ومصيبه واحد، ولكنهم لا يحصرونه في مذهب بعينه، بل يكون الحق في نازلة هو ما ذهب إليه إمام، وفي نازلة أخرى ما ذهب إليه غيره، فاشتغال هذا المنكر بزوال هذا الإعتقاد الفاسد أولى به؛ وإما أن يكون عالما بالمذاهب الأربعة، وهذا لا يتأتى منه الإنكار أيضا إلا إذا كان يعتقد نفي الحق عن غيرها من مذاهب العلماء، كمذهب الثوري، والأوزاعي، وعطاء، وابن جريج، وعكرمة، ومجاهد، ومعمر، وعبد الرزاق، والبخاري، ومسلم، وابن جرير، وابن خزيمة، وابن المنذر، وطاوس، والنخعي، وقتادة، وغيرهم من التابعين وأتباعهم إلى مذاهب الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. وهذا اعتقاد فاسد، فاشتغاله بدوائه أولى من اشتغاله بالإنكار على أولياء الله المفتوح عليهم.

وإذا وصلت إلى هنا علمت أنه لا يسوغ الإنكار على الحقيقة إلا ممن أحاط بالشريعة، ولا يحيط بها إلا النبي صلى الله عليه وسلم والكمل من ورثته كالأغواث في كل زمان رضي الله عنهم. أما غيرهم فسكوتهم خير لهم لو كانوا يعلمون. وكلامنا في الإنكار على أهل الحق من أهل الفتح، وأما أهل الظلام والضلال فلا تخفى أحوالهم على من مارسهم.

وقد استأذن بعض الناس شيخه في الإنكار على الأولياء أهل الحق من أهل الفتح، وقال له: يا سيدي، لا أنكر عليهم إلا بميزان الشريعة، فمن وجدته مستقيما سلمت له، ومن وجدته مائلا أنكرت عليه. فقال له شيخه: أخاف أن لا تكون عندك الصنوج كلها التي يوزن بها، وإذا كان عندك بعض الصنوج دون بعض فلا يصح ميزانك. يشير إلى ما سبق من كونه ينكر وهو جاهل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت