فهرس الكتاب
وقد حضرت لبعض الناس وكانت له فطانة وحذاقة، فسمع سائلا يسأل وليا مفتوحا عليه عن السورة التي بعد أم القرآن إذا نسيها المصلي وترتب السجود القبلي عليه، ثم نسيه فلم يفعله حتى سلم وطال الحال، هل تبطل الصلاة بترك السجود القبلي، بناء على أن في السورة ثلاث سنن، أو لا بناء على أنه ليس فيها ثلاث سنن؟ وقد ذهب إلى الأول الشيخ الحطاب وغيره، وإلى الثاني شراح الرسالة. وطلب السائل من هذا الولي المفتوح عليه أن يعين له الحق عند الله تعالى، فأجابه الولي سريعا: الحق عند الله تعالى هو أن السورة لا يوجب نسيانها سجود أصلا، ومن سجد لها بطلت صلاته. وكان الولي المفتوح عليه عاميا أميا، وكان السائل يعرفه ويعرف ارتقاء درجته في الفتح، فلما سمع جوابه علم أنه الحق الذي لا ريب فيه، وأما الذي له حذاقة وفطانة فدخله شك وارتياب، فقال للسائل بعد أن قاما عن الولي: إن هذا الرجل -يعني الولي- جاهل لا يعرف شيئا، انظر كيف جهل حكم الله في هذه المسألة الظاهرة وقال إن تارك السورة لا سجود عليه، وقد عدها ابن رشد في السنن المؤكدة كما عدّ فيها الجهر والسر. فأجابه السائل بأن الولي المفتوح عليه لا يتقيد بمذهب بل يدور مع الحق أينما دار. فقال الذي له حذاقة وكان من طلبة العلم: نحن لا نتجاوز أقوال إمامنا مالك. فأجابه السائل بأن هذا الذي قاله الولي المفتوح عليه قد رواه أشهب عن مالك كما نقله في التوضيح، فروى عن الإمام أن السورة مستحبة وليست بسنة، ثم هو مذهب الشافعي رضي الله عنه فعنده أن السورة من الهيئات التحسينية وليست من السنن، ومن سجد لها بطلت صلاته، ثم سؤالنا للولي إنما كان عن تعيين الحق من غير تقييد ولم يكن عن خصوص المشهور من مذهب مالك، وقد عين ما سألناه عنه ووافق ذلك رواية عن مالك وهي مذهب الشافعي رضي الله عنهما، فأي تبعة بقيت على الولي في جوابه؟ فلما قال السائل هذا القول وسمعه الذي له حذاقة انقطع ولم يدر ما يقول.