الصفحة 522 من 761

فقلت له: إنكم إذا اخذتم في تدريس الفقه ونقل لكم كلام عن المدونة أو تبصرة اللخمي أو بيان ابن رشد أو جواهر ابن شاس ونحوها من دواوين الفقه، وأمكنكم مراجعة هذه الأصول فإنكم لا تثقون بنقل الواسطة حتى تنظروها بأنفسكم، ولو كانت الواسطة مثل ابن مرزوق والحطاب والتوضيح ونحوهم، فهذا باب الظن وكأنكم تطلبون فيه اليقين حتى لم تكتفوا فيه بنقل العدول الثقات الأثبات حتى باشرتم الأمر بأنفسكم، ولا يمكنكم اليقين فيه أبدا، وإنما عرضتم ظنا أقوى بظن أضعف منه، فإنه نقل الواسطة السابقة أقرب إلى الصواب من جهة قرب زمانها إلى مؤلفي الكتب الستة، فإنهم أقرب إليهم منا بلا ريب، ومن جهة أن النسخ التي عند الواسطة من هذه الأصول مروية بطريق من طرق الروايات، وأما نحن فلا رواية عندنا فيها، ولا نسخ صحيحة منها، فمن الجائز أن تكون نسختكم منها زادت أو نقصت، فبأي يقين ترد نقل الحطاب عنها مع وجود هذين الأمرين فيه وفقدهما فيك، أو أما أنكم اكتفيتم بالظن في باب اليقين الذي يمكن فيه، فإن هذا الرجل الذي بلغك عنه ما بلغك موجود حي حاضر معك في المدينة ليس بينك وبينه مسافة، ومعرفته سعادة لا شقاء بعدها، إن وفق الله لمحبته وإلقاء القياد إليه، وقد أمكنك الوصول إليه حتى تعتقد فتسعد وتربح، أو تنتقد فترجع، ويحصل لك اليقين بأحد الأمرين وتزول ظلمة الشك من قلبك، ثم إنك قنعت في هذا الأمر الرابح والخير الراجح الذي نفعه محقق وصاحبه موفق بنقل الفسقة والكذبة، وكان من عادتك أنك لا تقنع في باب الظن والنفع القليل بنقل الثقات الأثبات حتى تباشر الأمر بنفسك، فهلا جريت على ذلك في هذا الباب الذي هو باب اليقين والنفع الذي هو سعادة محضة، أليس هذا منكم رضي الله عنكم عكسا للصواب؟

فقال رضي الله عنه: قطعتني بالحجة، والله لا يمكنني الجواب عن هذا أبدا، واشهد علي بأني تائب إلى الله عز وجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت