فهرس الكتاب
وقد دخلت مع الشيخ رضي الله عنه إلى بستان في فصل الربيع، فنظر إلى اختلاف أزهاره وأنواره ساعة، ثم رفع رأسه إلي وقال: من أراد أن يعرف اختلاف الأولياء وتباينهم في المقامات والأحوال مع كونهم على هدى وصواب وحلاوتهم في قلوب الناس، فلينظر إلى اختلاف هذه الأنوار والأزهار مع حلاوتها في القلوب. فإن كان قوله إن سيدي فلانا الذي عرفناه لم يكن هكذا حصرا لرحمة الله في الولي الذي عرفه فقد حجر واسعا، ولما قال الأعرابي الذي بال في المسجد: اللهم ارحمني وارحم محمدا ولا ترحم معنا أحدا. قال له النبي صلى الله عليه وسلم:"لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا". وإن كان قوله ذلك ظنا منه أن كل مرحوم لا يكون إلا مثل الولي الذي عرفه فقد سبق أنهم رضي الله عنهم على أصناف شتى، وأيضا فهو مشترك الإلزام، فإن هذا الإعتراض لازم في الولي الذي عرفه فإنه لم يكن مثل الولي الذي كان قبله، فإن اعترض على الثالث بأنه ليس مثل الثاني اعترض على الثاني بأنه ليس مثل الأول الذي كان قبله.
وإنما أطلت الكلام في هذا الباب وذكرت هذه المناظرات التي وقعت لنا مع الفقهاء رضي الله عنهم، حرصا على وصول الخير إلى طائفة الفقهاء وطلبة العلم، ومحبة فيهم ونصيحة لهم، فإنهم ابتلوا بالإنكار على السادات الأبرار الأخيار الأطهار، في سائر القرون والأعصار، وفي جميع البوادي والقرى والأمصار، وإنكارهم لا يخرج عن هذا الذي ذكرناه في هذا الباب، فمن كان منهم منصفا وتأمل ما سطرناه فيه رجع وظهر له الحق ولاح له وجه الصواب. وكثيرا ما كنت أتعرض لمناظرة الفقهاء في هذا الباب ظنا مني أنهم يعتمدون في إنكارهم على أمور صحيحة، فلما اختبرتهم وجدت الأمر على ما وصفت لك، والله الهادي إلى الصواب لا رب غيره
ولا خير إلا خيره) عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (.