فهرس الكتاب
قال رضي الله عنه: والولي يسمع كلام الباطن كما يسمع كلام الظاهر، فيكون هذا القسم عنده بمثابة من جلس إليه رجلان أحدهما في جوف الآخر، فيقول الرجل الظاهر: أنت سيدي، وأنا عند أمرك ونهيك وعلى طاعتك وتسييرك؛ ويقول الذي في الجوف: أنت لست بولي، والناس أخطأوا فيما يظنون فيك، وأنا على شك في أمرك وفيما يقول الناس فيك ونحو هذا. فالجاهل الذي لا يعرف الباطن يستوي في نظره هذا القسم والقسم الأول، فإذا رأى القسم الأول ربح وحصل له الخير الكثير من الولي، قال في نفسه: وَلِمَ لَمْ يربح القسم الثالث؟ مع أنه يتأدب ويخدم بنفسه، ويقف عند الأمر والنهي كالأول! فيقول في نفسه: لعل الخلل والنقصان من الولي. فيكون هذا بابا واسعا للكلام في الأشياخ ودخول الوسوسة فيهم.
-وأما القسم الرابع وهو ما يكون باطنه معتقدا وظاهره منتقدا، فلا يتصور إلا مع الحسد، نسأل الله السلامة والعافية بمنه وكرمه آمين.
وسألته رضي الله عنه يوما فقلت له: هذه العلوم التي تبرز منكم وتتكلمون بها، هل تحتاجون فيها إلى قصد واستعمال أم لا؟
فقال رضي الله عنه: إن الولي الكامل غائب في مشاهدة الحق سبحانه وتعالى لا يحجب عنه طرفة عين، وظاهره مع الخلق، فيستعمل الحق سبحانه ظاهره مع القاصدين بحسب ما سبق لهم في القسمة، فمن قسم له منه رحمة أطلق عليه ذلك الظاهر وأنطقه بالعلوم وأظهر له ما لا يكيف من الخيرات، ومن أراد به سوءا ولم يقسم له على يده شيئا أمسكه عنه وحجبه عن النطق بالمعارف.
قال رضي الله عنه: وما مثلت الولي مع القاصدين إلا كحجر بني إسرائيل، فإذا كان بين يدي أولياء الله تعالى انفجرت منه اثنتا عشرة عينا، وإذا كان بين أعدائه تعالى لا تخرج منه ولا قطرة واحدة.