فهرس الكتاب
وسمعته رضي الله عنه يقول: إن الولي قد يغلب عليه الشهود فيخاف على ذاته الترابية من التلاشي، فيستعمل أمورا ترده إلى حسه، وإن كان فيها ما يعاب عليه من باب: إذا التقى ضرران ارتكب أخفهما، فإذا رآه شخص ارتكب ذلك الأمر ولا يعلم الوجه الذي ارتكبه لأجله، ربما بادر إلى الإنكار عليه فيحرم بركته، وقد تقرر في الشرع أي في الشريعة المطهرة أن العضو إذا أصابته الأكلة وخيف على الذات منها فإنه يباح قطعه لتسلم الذات مع أن العضو معصوم، ولكنه من باب إذا التقى ضرران ارتكب أخفهما. وكذلك الشخص إذا خاف على نفسه الهلاك من شدة الجوع فإنه يباح له أكل الميتة حتى يشبع ويتزود منها، وغير ذلك من الفروع الداخلة تحت هذه القاعدة، وهذه التي ترد ذات الولي إلى حسها هي المعتادة لها قبل الفتح، وكل ذات وما اعتادت، فافهم بالإشارة ففي التفصيل والتصريح وحشة، والله أعلم.
وسمعته رضي الله عنه يقول: إن غير الولي إذا انكشفت عورته نفرت منه الملائكة الكرام، لأن الحياء يغلب عليهم، والمراد بالعورة العورة الحسية وهي ظاهرة، والعورة المعنوية التي تكون بذكر المجون وألفاظ السفه.
وأما الولي فإنها لا تنفر منه إذا وقع له ذلك، لأنه إنما يفعله لغرض صحيح فيترك ستر عورته لما هو أولى منه، لأن أقوى المصلحتين يجب ارتكابه ويؤجر على ستر عورته، وإن لم يفعله، لأنه ما منعه من فعله إلا ما هو أقوى منه، ولولا ذلك الأقوى لفعله فكأنه فعلهما جميعا فيؤجر عليهما معا.
فقلت: وما هذا الأقوى الذي ترك لأجله ستر عورته، أو تكلم لأجله بشيء من ألفاظ المجون؟
فقال رضي الله عنه: كل ما يردّ الذات إلى عالمها الحسي ويرد عليها عقلها، فإذا كان كشف العورة يوجب ذلك لشخص ارتكبه، وإذا كان التكلم بالمجون وألفاظ السفة يوجب ذلك لشخص آخر ارتكبه أيضا، وإذا كان غيره من الأمور الفانية يوجبه لشخص ثالث ارتكبه، وهلم جرا.