الصفحة 530 من 761

فقلت: ولمَ تحتاج الذات إلى ما يردها إلى عالمها الحسي؟ وهل تغيب عنه؟

فقال رضي الله عنه: نعم تغيب عنه. ثم ضرب مثلا لتحقيق الغيبة فقال: كرجل له ستمائة قنطار وقد كبر وعمي وانقطع منه التدبير بالكلية، ومع ذلك فله أولاد لا يحصون، وكلهم صغار لا يقدرون على شيء، ثم أرسلها بقصد التجر مع أناس ركبوا البحر في زمن هوله وكثرة عطبه وقلة السلامة منه، ولم يترك لنفسه ولا لأولاده فلسا واحدا. فلا تسأل عن عقل هذا الرجل كيف يكون، فإنه يذهب مع أهل السفينة وينقطع عن الذات بالكلية، وحينئذ فتحصل له آفتان: الأولى منهما انسداد أفواه العروق التي يكون غذاء الجسم منها بسبب احتراقها بالحرارة التي هاجت حين اشتغال الفكر بأمر السفينة.

قلت: وقد شاهدت رجلا من حملة القرآن العزيز ومن أهل العلم دوخل في عقله، نسأل الله السلامة، من طلب التدبير والكيمياء والكنوز، وسكن ذلك في عقله واشتغل به فكره اليوم على اليوم، فجعل لونه يصفر، وقل جلوسه مع الناس، وصار لا يأكل من الطعام إلا ما قلّ، ثم لم يزل أمره في زيادة إلى أن مات سريعا، نسأل الله السلامة.

وسر ذلك ما أشار إليه الشيخ رضي الله عنه من انسداد أفواه عروق غذاء الجسم، فيتضرر الجسم بذلك، وتزول نضارته ونعومته، ويحصل فيه اصفرار وذبول إلى أن يتلاشى ويهلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت