فهرس الكتاب
والآفة الثانية أن العقل إذا ذهب مع أهل السفينة وانقطع عن الذات وطالت غيبته عنها، فإن الروح تخرج منها ولا ترجع إليها، لأنها إنما دخلت في أول الأمر عند النفخ كرها لا طوعا، فمتى وجدت سبيلا إلى الخروج وخرجت فإنها لا ترجع إليها أبدا، فإن وعد الله تلك الذات بانصرام أجلها كان ذلك ابتداء مرضها وظهور عللها حتى يأتي أمر الله، وإن وعدها سبحانه بالبقاء مدة كانت الروح خارجة عنها بالعقل الذي هو سرها، وتقوم بتدبيرها مع انفصالها وانقطاعها عنها، وكان ذلك سبب ابتداء الحمق، ولو وجد هذا الرجل سببا يرده إلى أمره الأول وإخراج أهل السفينة من عقله لبقي سالما من هاتين الآفتين.
قال: فكذلك أولياء الله تعالى يحصل لهم الغيبات، فإذا رأيتهم يستعملون شيئا من المجون والضحك ونحوهما مما يرد عليهم عقولهم ويحفظ عليهم بقاء ذواتهم فلا تبادر بالإنكار عليهم، فإنهم لا يستعملونه إلا لهذا الغرض الصحيح، فينتفع الخلق بهم مدة بقاء ذواتهم.
قلت: وكم مرة ونحن مع الشيخ رضي الله عنه يقول: اهدروا علينا فإنه يطلع لكم بذلك خير كثير. حتى قال لي مرة: ما مثلت صاحب المشاهدة إلا بنسر طائر في الهواء وعلا في طيرانه، والفرض أن الجو مملوء بالرياح، وفي يد رجل خيط رقيق موصول بذات النسر ومربوط فيها، فإذا رآه علا في الطيران وأرادت الرياح أن تجلبه بحيث لا يرجع أبدا، جعل الرجل يقبض الخيط شيئا فشيئا وهو يخاف أن ينقطع، والنسر ينزل شيئا فشيئا إلى أن يرجع إلى يد صاحبه. فكذلك هذه الأمور الفانية التي تعتادها الذات الترابية هي التي تردها إلى عالمها الحسي.
قلت: ولو أردنا أن نذكر شيئا من تلك الأمور الواقعة للعارفين رضي الله عنهم لخرجنا عن المقام، والله أعلم.