فهرس الكتاب
وسمعته رضي الله عنه يقول: إن الغرض من الولي هو الدلالة على الله تعالى، والجمع عليه، والتزهيد فيما سواه. فإذا جعل القاصد إليه يطلب منه هذا الأمر فإنه يربح معه، وإذا جعل يطلب منه قضاء الحوائج والأوطار، ولا يسأله عن ربه ولا كيف يعرفه، مقته الولي وأبغضه، وهو السالم إن نجا من مصيبة تنزل به. وذلك لأمور: منها أن محبته للولي ليست لوجه الله تعالى، وإنما هي على حرف، والمحبة على حرف خسران مبين لا ينزل عليها نور الحق أبدا؛ ومنها أن الولي يراه في تعلقه بغير الله تعالى في عين القطيعة وهو يريد أن ينقذه منها، والعبد يريد منه أن يزيده منها، فإن الولي يراه ترك التمرة وأخذ الجمرة، فالتمرة معرفة الله تعالى والعكوف بين يديه، والجمرة هي القطيعة عنه والقبض في غيره والميل إلى الدنيا والركون إلى زخارفها؛ ومنها أن الولي إذا ساعده في قضاء بعض الأوطار وقابله ببعض الكشوفات ربما يظن العبد أن هذا هو الذي ينبغي أن تقع المعرفة عليه وفيه يرغب الناس وليس وراءه مطلب، وكل ذلك ضلال وموجب لمقت الولي له.
قلت: ومن مقته له ومكره به أن يظهر على ذاته بعض المخالفات، أو يخبره بشيء لا يكون أنه يكون ليطرده بذلك عنه، والله أعلم.
وسمعته رضي الله عنه يقول: إن سماع أهل العرفان ينبني على مشاهدتهم الحق سبحانه، وتكون الأمور التي يسمعونها بمثابة السفينة التي يخرقون بها بحار المشاهدة، فيعتمدون على تلك الأمور ويتوصلون بها إلى ما لا يكيف من المشاهدة، وذلك أن المشاهد سبحانه حي قديم لا مثل له ولا نظير، فليس لهذه الذات ما تعتمد عليه إلا ما يمكن في العبارة الحادثة مما اعتادته الذات ونشأت عليه.