الصفحة 533 من 761

قال: وإذا اتسعت مشاهدتهم وصاروا من الكبار قرب عشقهم من عشق أهل الهزل فيما يظهر للناس، وذلك للسرور والفرح والطرب الحاصل لهم عند مشاهدتهم فعل الحق سبحانه وتعالى في مخلوقاته. فإذا شاهدوا ذلك حصل للروح ما لا يكيف من السرور، حتى لقد حصل لبعضهم رضي الله عنه أنه رأى قطًّا يحك حنكه بيده، فجعل الولي يبكي ودموعه تسيل وهو يسجد بين يدي القط حتى اخضلت دموعه ما بين يديه.

فقلت له: ما سره؟

فقال رضي الله عنه: إن الروح شاهدت الحق سبحانه وتعالى يفعل تلك الحركة فجعلت تسجد له وتتواضع وتبكي بين يديه سبحانه وتعالى، والذات تساعفها، فجعلت الذات تفعل مثل ما تفعله الروح وتحاكيها في ذلك. فالناس يظهر لهم أن سجوده للقط، والولي في وقت بكائه وسجوده لم يشاهد إلا الحق سبحانه، فهو له يبكي وله يتضرع ويخضع.

قال رضي الله عنه: وهذا يحصل لهم دائما، إلا أن الذات إذا غابت عن عقلها ساعفت الروح، وإذا لم تغب عن عقلها منعها العقل من ذلك حفظا للظاهر، فترى الولي إذا رأى الغصن في الأشجار يتمايل يحصل له ما سبق، ولذا يقولون: إن ضربني سيدي بالأحجار فهي عندي أعز من الأثمار، لما يحصل له من النعيم والسرور عند مشاهدة الفعل منه عز وجل، والله أعلم.

وسمعته رضي الله عنه يقول: إن الله تعالى إذا فتح على عبد وكان على حالة أي حالة كانت بقي عليها، ولو كانت الحالة مذمومة طبعا كجرارة وغيرها من الحرف المذمومة، فيبقى على حالته ولا ينتقل عنها، لأنه يرى الإنتقال عنه تصنعا للناس، والتصنع للناس أعظم عند المفتوح عليه من شراب الخمر ونحوه من المعاصي.

قال رضي الله عنه: وأعرف رجلا بالرملة من أرض الشام فتح الله عليه وهو بحالة يتضاحك الناس عليه فيها، كحالة الرجل المشهور بمدينة فاس بمعيزو، فبقي على حالته بعد الفتح ولم ينتقل عنها.

قلت: وكانت حالة معيزو المتقدم أن الصبيان وغيرهم من ضعفة العقول يتبعونه طول نهاره يضحكون عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت