فهرس الكتاب
ونذكر ههنا قصة النفر من الصحابة رضوان الله عليهم الذين جاءوا إلى دار النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوا أزواجه عن عبادته صلى الله عليه وسلم وقيامه وصيامه، فذكرن لهم عبادته صلى الله عليه وسلم، فاستقلوها ثم قالوا: لسنا كالنبي صلى الله عليه وسلم، فإنه عبد قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ثم قال أحدهم: أما أنا فأصوم الدهر كله. وقال الآخر: أما أنا فأقوم اليل كله ولا أنام، وقال الآخر: أما أنا فلا أقارب النساء، ثم ذهبوا. وجاء النبي صلى الله عليه وسلم على إثرهم، فأخبرته عائشة رضي الله عنها بما رأت منهم وبما قالوا، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهم:"أَمَّا أَنَا فَأَخْشَاكُمْ للهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، وَأَعْلَمُكُمْ بِهِ، وَإِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَقُومُ وَأَنَامُ وَأُقَارِبُ النِّسَاءَ، وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِى فَلَيْسَ مِنِّي"، وأنزل الله تعالى:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (الآية.
واختلفت الرواة في تعيين أولئك النفر، فمنهم من عد فيهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن مسعود وأبا هريرة، ومنهم من عد فيهم سعد بن أبي وقاص، ومنهم من عد فيهم علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومنهم من عد فيهم أبا بكر الصديق رضي الله عنهم.
فانظر وفقك الله كيف ردهم عليه الصلاة والسلام عن هوى نفوسهم في الإكثار من النوافل، إلى ما أحبه لهم واختاره من التوسط في الأمور، وذلك أعظم شاهد لما يفعله الشيوخ مع المريدين الموفقين، وأما غيرهم فلا كلام عليه.