فهرس الكتاب
وقد رأيت بعضهم جاء إلى شيخ رضي الله عنه وأراد أن يتخذه وسيلة، وكان على غاية الإكثار من العبادة، حتى إنه يقرأ في كل ليلة ختمة من القرآن ويقرأ دلائل الخيرات في النهار عدة مرات، ويصوم الدهر ولا تلقاه إلا أصفر اللون كأنه من أهل القبور، فلم يزل الشيخ رضي الله عنه ينقله من درجة إلى درجة، ومن حالة إلى حالة، حتى رده إلى مقام التوسط. ثم قال له الشيخ رضي الله عنه ذات يوم: كم من تعب أراحك الله منه يا فلان؟ فقال: جزاك الله عنا خيرا يا سيدي، فإنما كانت أعمالنا رياء فلغير الله كنا نعبد، وأرحانا الله من ذلك ببركتك.
وقال لي الشيخ رضي الله عنه يوما: إن هذه النوافل إذا لم يفعلها الشخص فإنه لا يحاسب عليها في الآخرة، وإن فعلها بنية أن يراه الناس ويمدحوه عليها فإنه يعاتب عليها في الآخرة، وتخلى دار أبيه عليها.
قلت: لأن الرياء معصية.
وسمعته رضي الله عنه يقول: إن المحبوب لا يخلو من الرياء والسمعة، إلا إذا كان يرى في كل لحظة أن أفعاله مخلوقة له تعالى لا يغيب عنه ذلك في حالة الفعل، ومهما غاب عنه ولو طرفة عين وقع في الرياء والسمعة والعجب.
ثم قال صاحب الرائية:
وَضَعْهَا بِحِجْر ِالشَّيْخ ِطِفْلًا فَمَا لَهَا * خُرُوجٌ بِلَا فَطْم ٍعَلَى الحِجْر ِوَالْحَجْرِ
قال الشيخ رضي الله عنه: أي ضع نفسك في حجر شيخك يُرَبِّك تربية الطفل في حجر أمه، فليس لنفسك قبل فطام التربية خروج عن حجر الشيخ وتحجيره. فالحجر الأول هو الحجر المعروف الذي هو مقدم القميص، والحجر الثاني معناه المنع أي منع الشيخ للمريد عما يريده، ومن هذا الثاني الحجر عند الفقهاء الذي هو بمعنى التحجير. فالحجر الأول كناية عن نظر الشيخ وتصرفه، والثاني كناية عن منعه للمريد ما لا يليق به، والله تعالى أعلم.
ثم قال:
وَمَنْ لَمْ يَكُنْ سَلْبَ الْإِرَادَةِ وَصْفُهُ * فَلَا يَطْمَعَنْ فِي شَمِّ رَائِحَةِ الْفَقْرِ