الصفحة 545 من 761

النظر الشزر هو النظر يمينا وشمالا، أو هو نظر الغضبان بمؤخر العين، أو نظر فيه إغضاء، فيه أقوال والمناسب للأول أن يكون ذلك النظر لغير الشيخ. فكأنه يقول: ولا تعرفن في حضرة الشيخ وهي محل جلوسه غيره، ولا تنظر في حضرته إلى ذلك الغير يمينا أو شمالا، فكأنه نهى عن معرفة ذلك الغير وعن الإلتفات إليه. وأما المعنى الثاني والثالث للنظر الشزر، فالمنظور إليه فيها هو شيخه المربي، فكأنه يقول: ولا تعرف في حضرة الشيخ غيره، ولا تنظر إلى شيخك نظر غضب أو لا تنظر إليه نظرا فيه إغضاء كأنه يتجاوز ويغضي عن بعض ما فعله، لكن هذان المعنيان لا يناسبان السياق، فإن الكلام مع مريد صادق يدور مع شيخه حيثما دار، فقيل له: إذا وصلت إلى هذا المقام فلا تعرف غير شيخك، وحينئذ فلا يناسب أن يقال له ولا تغضب على شيخك، وإنما المناسب أن يقال له ولا تلتفت إلى غير شيخك، لأن معنى هذا الأدب الجمع على الشيخ والإستغراق فيه والإنحياش إليه والغيبة في سره، ليثمر له ذلك مع الشيخ أمثاله مع الحق سبحانه، لأن كل أدب يستعمله المريد مع الشيخ فإنه يثمر له مثله مع الله عز وجل.

واعلم أن هذا الأدب لا يتأتى من المريد ما لم يكن له من الشيخ جاذب باطني، فإن محبة الشيخ للمريد إذا اتصلت أشعتها بالمريد تحوشه إلى الشيخ وتحوطه من كل قاطع، فإذا دامت دام الإتصال، وإن انقطعت وقع الإنفصال، حتى قال بعض الأشياخ لمريد له كان يلازمه كثيرا ويصلي معه الصلوات الخمس ولا يغيب عنه في وقت من الأوقات، وظن أن ذلك من محبته في الشيخ لا من محبة الشيخ فيه، فقال له الشيخ: أتحبني يا فلان؟ فقال: يا سيدي ومن محبتي إليك وقع هذا الإتصال. فقال له الشيخ: ستعلم. فمن ذلك الوقت ما قدر على أن يصل إلى الشيخ حتى مرت عليه سنة كاملة، ولم يقدر على مشاهدة شيخه فضلا عن ملازمته حتى عفا عنه الشيخ وسامحه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت