الصفحة 548 من 761

ووقعت حكاية أخرى، وهي أن رجلا من أصحابه رضي الله عنه كان يعتقد الخير في بعض السادات، وكان يحبه كثيرا ويزوره غالبا، وله في صحبته ما يقرب من سبع سنين حتى خامرت محبته شعره وبشره وعظمه ولحمه، حتى ملأت ذاته من قرنه إلى إبهامه، وكان يجزم بعد وفاة ذلك الشيخ لا يعرف غيره أبدا لأنه كان يعتقد أنه لا نظير له. قال: فجمعني الله مع الشيخ رضي الله عنه وبقيت معه ساعة، فما قمت من عنده حتى زالت تلك المحبة المتعلقة بذلك الميت بأسرها، وذهبت من سائر جسده بشراشرها، ولم يقدر من تلك الساعة على زيارة الشيخ في قبره أبدا. فسأل الشيخ رضي الله عنه فقال: يا سيدي، رأيت عجبا، كنت أحب سيدي فلانا محبة لا تكيف ولا توصف، وكنت أجزم بأن غيره لا يحل محله أبدا، فلما جالستك ساعة زال ذلك كله، والفرض أن ذلك الشيخ لم نتعرض له في تلك الساعة ولا جرى له ذكر ولا تكلمنا في الأسباب التي تمحو محبته. فقال رضي الله عنه: ذلك الشيخ صادق وولي من أولياء الله تعالى، وأنت في محبتك له صادق، ولكن المحبة التي بينكما ليس لها أصل تنزل عليه. ثم ضرب له مثلا فقال: كطفل صغير له أب، ففرق الله بينه وبين أبيه، فالتقطه رجر آخر وجعل يربيه، فكبر الولد ولا يرى غير الرجل الذي كان يربيه، فصار يقول له أبي ويحن له كما يحن الولد إلى أبيه، حتى بقي عنده نحوا من سبع سنين، ثم جاء أبوه الذي هو ابنه من صلبه، فوجد الولد جالسا بفناء دار الرجل الذي يربيه، فوقف أمامه ساعة ثم مر عنه، فإن عروق ذلك الولد تذهب كلها مع أبيه الذي هو من صلبه ولا يبقى شيء منها مع الرجل المربي له، فلا يحل أحد في قلبه محل أبيه من صلبه، وإن كان قبل ذلك يظن أن الرجل المربي هو أبوه. قال: فمحا والله بهذا المثال ما بقي في قلبي من رشوحات تلك المحبة وقطعها من جذرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت