الصفحة 549 من 761

وهكذا حال الأكابر رضي الله عنهم، حتى قالوا إن المريدين بمثابة أكواب الحمام فهي لمن غلب، فالشيخ الذي يغضب على مريده حيث يتركه ويذهب لغيره عاجز أو عقيم، فمن عجزه أو عقمه ذهب مريده لغيره.

وكم مرة يذهب الشيخ رضي الله عنه إلى زيارة بعض الصالحين فيخرج معه جماعة من أصحابه وفقهم الله، فيقولون له: أنت مقصودنا وأنت الذي نزوره، وذهابنا لسيدي فلان مساعفة لك ومؤانسة لذاتك، فأنت مقصودنا سواء ذهبت لسيدي فلان تزوره أو إلى غيره. فإذا وصل الشيخ رضي الله عنه إلى ضريح الولي الذي قصده، يذهب وحده أو يستصحب واحدا من أصحابه ليرافقه، وبقية أصحابه قانعون بالشيخ رضي الله عنه، مكتفون به، معتقدون أنه لا يبلغه أحد من أهل زمانه رضي الله عنه، ولا من الأموات قبله، وإنما يقدمون عليه ساداتنا الصحابة لا غير، فهم لا يعرفون غير الشيخ رضي الله عنه حضر الشيخ أو غاب في حياته وبعد مماته.

ولما مات الشيخ رضي الله عنه كنت أتكلف الذهاب إلى زيارته في قبره كثيرا، فوقف عليَّ في المنام وقال لي: إن ذاتي ليست بمحجوبة في القبر، بل هي في العالم كله عامرة له ومالئة، وفي أي موضع تطلبني تجدني، حتى إنك لو قمت إلى سارية في المسجد وتوسلت بي إلى الله عز وجل فإني أكون معك حينئذ. ثم أشار إلى العالم كله، فقال: وأنا فيه بأجمعه، فحيثما طلبتني وجدتني، وإياك أن تظن أني أنا ربك عز وجل فإن ربك عز وجل غير محصور في العالم وأنا محصور فيه. هذا ما سمعته منه رضي الله عنه في المنام.

وكذا سمعته رضي الله عنه يقول في حياته: إن العالم كله قد يكون أحيانا في وسط جوفي.

وسمعته رضي الله عنه أحيانا يقول: ما السموات السبع والأرضون السبع في نظر العبد المؤمن إلا كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض، فواجب أيضا أن تختلف حضرة الشيخ في قوله:

* وَلَا تَعْرِفَنْ فِي حَضْرَةِ الشَّيْخِ غَيْرَهُ *

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت