فهرس الكتاب
وهكذا دأب المريد في مجلس الشيخ، ينبغي أن يلزم السكوت ولا يقول شيئا بحضرته من كلام حسن إلا إذا استأمره الشيخ في ذلك ووجد من الشيخ فسحة. وشأن المريد في حضرة الشيخ كمن هو قاعد على ساحل بحر ينتظر رزقا يساق إليه، فتطلعه إلى الإستماع وما يرزق من طريق كلام الشيخ يحقق مقام إرادته وطلبه واستزادته من فضل الله تعالى، وتطلعه إلى القول يرده عن مقام الطلب والإستزادة إلى مقام إثبات شيء لنفسه، وذلك جناية المريد، وينبغي أن يكون تطلعه إلى مبهم من حاله يستكشف عنه بالسؤال من الشيخ، على أن الصادق لا يحتاج إلى السؤال باللسان في حضرة الشيخ، بل يبادئه الشيخ بما يريد، لأن الشيخ يكون مستنطقا نطقه بالحق، وهو عند حضور الصديقين يرفع قلبه إلى الله تعالى، ويستمطر ويستسقي لهم، فيكون لسانه وقلبه في القول والنطق مأخوذين إلى مهم الوقت من أحوال الطالبين المحتاجين إلى ما يفتح عليه. ثم قال: ويكون الشيخ فيما يجريه الحق سبحانه وتعالى على لسانه مستمعا كأحد المستمعين.
وكان الشيخ أبو السعود رحمه الله يكلم الأصحاب بما يلقى إليه ويقول: أنا في هذا الكلام مستمع كأحدكم. فأشكل ذلك على بعض الحاضرين، وقال: إذا كان القائل يعلم ما يقول فكيف يكون مستمعا؟ فرجع إلى منزله فرأى في ليلته في المنام كأن قائلا يقول له: أليس الغواص يغوص في البحر لطلب الدر ويرجع بالصدف في مخلاته والدر قد حصل معه، ولكن لا يراه إلا إذا خرج من البحر، ويشاركه في رؤية الدر من هو على الساحل؟ ففهم في المنام إشارة الشيخ في ذلك. فأحسن آداب المريد مع الشيخ السكون والخمود والجمود حتى يبادئه الشيخ بما له فيه المصلحة قولا وفعلا. انتهى. والله أعلم.
ثم قال:
وَلَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِهِ * وَلَا تَجْهَرُوا جَهْرَ الَّذِي هُوَ فِي قَفْرِ