قال رضي الله عنه: والثقب الخالية تعمر بمخلوقات من مخلوقات الله تعالى، وكانت الأرواح قبل (ألست بربكم) غير عارفة بالعواقب، جاهلة بمراد الله تعالى فيها، فلما أراد الله تعالى أن يظهر لها ما سبق في قضائه وأزله أمر إسرافيل أن ينفخ في الصور، فنفخ فاجتمعت الأرواح وحصل لها من الهول والفزع مثل ما يحصل في صعقة البعث والقيام أو أكثر، فلما اجتمعت أسمعها الباري جل وعلا خطابه الذي لا يكيف، وقال:) أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ(. فأما أهل السعادة فإنهم استجابوا لربهم مع الفرح والسرور، وهناك ظهر تفاوتهم في الإستجابة، واختلاف مراتبهم في المشاهدة، وتبين الشيخ من المريد، وعلم أن فلانا متصل بفلان وفلان منقطع عنه، وظهر أيضا تفاوت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واختلاف أممهم. وأما أهل الشقاء والعياذ بالله، فإنهم سمعوا الخطاب وتكدروا وتغيروا، وأجابوا كارهين، ثم نفروا نفرة النحل إذا دخن عليه، فحصلت لها ذلة، وانكسفت أنواره، وظهر المؤمن من الكافر في ذلك الوقت. وعند ذلك عين لكل روح الموضع الذي لها في البرزخ، وأما قبل ذلك فكانت الأرواح في البرزخ من أراد محلا أقام فيه، ثم ينتقل عنه إن شاء إلى غيره.
قال رضي الله عنه: ومن نظر الآن إلى البرزخ علم الأرواح التي خرجت من الأشباح بقوة أنوارها أو بكثرة ظلامها، وعلم الأرواح التي لم تخرج إلى الدنيا بقلة ذلك.
قال رضي الله عنه: وعند فراغ الأرواح التي لم تخرج إلى الدنيا واستكمالها الخروج إليها حتى لا تبقى روح إلا وخرجت حتى تقوم القيامة.
قلت: فيلزم أن يعلم أرباب هذا الكشف بالساعة، ومتى تقوم، وقد قال تعالى:)إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ (الآية، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ تَعَالَى".