وبنحو هذا المعنى أجابني رضي الله عنه عن العرق في الآخرة الذي يلجم بعضا، ويبلغ إلى أوساط قوم، وإلى ركب آخرين، مع استواء الأرض التي هم فيها. وإذا وقف ثلاثة في ماء أرض مستوية في الدنيا فإنه لا يمكن فيه هذا الإختلاف.
فقال رضي الله عنه: لأنهم لما تفاوتوا في الباطن في أمر الدنيا ظهر حكمه في الآخرة لأنها دار حق.
ثم قال رضي الله عنه: وفي البرزخ الذي فيه الكفرة عراجين خارجة منه على صفة العمود المستطيل، ثم امتدت تلك العراجين إلى ناحية جهنم، فيغدو على أهل تلك العراجين من عذابها ونكالها ورائحتها المنتنة ما يجعلهم بمنزلة من هو في جهنم بذاته، والذين يسكنون تلك العراجين هم المنافقون ومن غضب الله عليهم من الكفار.
وفي البرزخ الذي فيه أرواح السعداء عراجين أيضا خارجة منه مستمدة إلى ناحية الجنة، فيغدو على أهلها من نعيم الجنة وخيرها ورائحتها الطيبة ما يجعلهم بمنزلة من هو في الجنة بذاته، والذين يسكنونها هم الشهداء ومن رحمه الله تعالى.
وهذه العراجين المذكورة في برزخ الفريقين هي من البرزخ، ولكنها على هيئة الزائد عليه الخارج منه الذاهب إلى ناحية أخرى غير ناحية البرزخ.
فقلت: فأسفل البرزخ في السماء الدنيا، فإذا كانت أرواح الكفار فيه فلا تكون فيه إلا إذا فتحت لها أبواب السماء، وقد قال الله تعالى:) لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ (. وأيضا فإن العلماء ذكروا أن البرزخ للمؤمنين من القبر إلى أعلى عليين، وللكافرين من القبر إلى سجين، وهو أسفل سافلين.
فقال رضي الله عنه مرة: إن روح الكافر إذا كانت في السماء الدنيا أسفل البرزخ، وقد حجبت بأن خيطت عينها وأذنها وقلبها وجميع مشاعرها على سبيل ضرب المثل، فهي بمثابة من لم تفتح له أبواب السماء.