الحمد لله الذي يأتي بالفتح وهو الفتاح العليم، والحمد لله الذي يفتح بين الناس بالحق وهو خير الفاتحين، والحمد لله الذي يفتح الفتح المبين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، أحب صلاة إليه وأرضاها عنده، أما بعد:
فإن الجهاد في سبيل الله عبادة من العبادات العظيمة في الإسلام، بل عدها بعضهم الركن السادس من أركان الإسلام، وقد ورد فيه من الفضائل والثواب ما لا يحصى كثرة، بل لم يرد في أي عبادة أو طاعة من الفضائل كما ورد فيه، وهذا أمر مشاهد لمن استقرأ النصوص الشرعية، ولما كان لعرض فضائل العمل والعبادة على المكلف الأثر الكبير في التحفز لعملها والإقدام عليها وإزالة الفتور والكسل والعوائق في طريقها والثبات على تلك العبادة وعدم تركها، استخرت الله تعالى في تأليف كتاب في ذلك يجمع شتات النصوص الشرعية ويرتبها، تحفيزا للقاعدين، وتثبيتا للمجاهدين.
ولفضائل الجهاد وفقهها أهمية أجملها في النقاط التالية:
1.أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص على عرض فضائل الجهاد على الصحابة، فكم هي الأحاديث التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل الجهاد، حتى إنه لم يأت في فضائل عمل كما جاء في الجهاد، وهذا يبين أهمية هذا الأمر، وفي عرض تلك الفضائل اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
2.أن الجهاد عبادة فيها مشقة بالغة، بل هي أشق شرائع الإسلام، والنفس تأباه طبيعة، وهو مكروه لها كما قال تعالى"كتب عليكم القتال وهو كره لكم"فلابد أن يجعل لها مرغبات حتى تقبل هذا الأمر وتقبل عليه، وهذه المرغبات هي الفضائل، فلو أمر الله تعالى بالجهاد أمرا مجردا عن الفضائل، ولم يذكر له فضيلة، لوجدت القليل من الخلق هم المجاهدون، إذ أن الخروج وفعل الطاعة امتثالا لابد له من إيمان عظيم خصوصا في أمر الجهاد، وأكثر من يخرج للجهاد إنما يخرج نظرا إلى الفضائل، وقد جاء عن نافع قال: حُدث ابن عمر أن أبا هريرة رضي الله عنهم يقول:"من تبع جنازة فله قيراط"فقال:"أكثر أبو هريرة علينا"فصدقت - يعني عائشة - أبا هريرة وقالت:"سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقوله"فقال ابن عمر رضي الله عنهما:"لقد فرطنا في قراريط كثيرة"رواه البخاري، فهنا ابن عمر كان يعلم شرعية اتباع الجنازة، ولكن كان الذي لا يعلمه هو الفضل والثواب، فلما علم بذلك ندم على تركه العمل بذلك، فالفضائل والمرغبات هي التي تحرك الشخص للعمل، ومن ذلك الخروج إلى الجهاد، وهي التي تثبته بعد الله تعالى في درب الجهاد، وهي التي تثير إيمان الشخص وترفعه، فكم من شخص رجع عن ساحة الجهاد بسبب ضعف إيمانه، فمعرفة هذه الأمور لها الأثر الكبير على العبد المجاهد، بل أعظم من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات جعل رجلا من الصحابة ينغمس في الأعداء إلى أن قتل، فجاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر"قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض"قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض قال"نعم"قال: بخ بخ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما يحملك على قولك بخ بخ"قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها، قال"فإنك من أهلها"فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة - قال - فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل"رواه مسلم."
عن الضحاك في قوله"كتب عليكم القتال وهو كره لكم"قال: فنزلت آية القتال فكرهوها، فلما بين الله عز وجل ثواب أهل القتال، وفضيلة أهل القتال، وما أعد الله لأهل القتال من الحياة والرزق لهم، لم