فهرس الكتاب
قال تعالى"ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم".
قال القاسمي في تفسيره في معنى الوادي"وهو كل منفرج ينفذ فيه السيل، اسم فاعل من ودي، إذا سال، فهو السيل نفسه، ثم شاع في محله، ثم صار حقيقة في مطلق الأرض"انتهى. روى ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله"ولا يقطعون واديا"قال"ما ازداد قوم من أهليهم في سبيل الله بعدا إلا ازدادوا من الله قربا".
وهذا معنى صحيح، فإن قطع هذه المسافة والبعد كلها طاعة وقربة وعمل صالح، وذلك مما يقرب من الله تعالى.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا يوم بدر ثلاثة على بعير، كان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وكانت عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فقالا: نحن نمشي عنك، فقال:"ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما"رواه أحمد، وحسنه الألباني في فقه السيرة.
والمراد من هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو لبابة وعلي بن أبي طالب كانوا يتعاقبون على بعير واحد فيمشي اثنان ويبقى واحد يركب البعير أو يركب اثنان البعير ويمشي واحد فجاء دور رسول الله صلى الله عليه وسلم في المشي فقالا له نمشي نحن وأنت اركب فقال ما قال.
ففي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصا على الأجر المترتب على المشي في سبيل الله، وأخبر بأنه ليس بغني عنه، وهذا يدل على فضله.
قال ابن النحاس في المشارع"وفي هذا الحديث النص على الأجر في المشي في سبيل الله واستحباب أن لا يتميز الأمير عن رعيته بشيء من الراحة"انتهى.
وروى ابن أبي شيبة أن أبا بكر بعث جيشا إلى الشام، فخرج يشيعهم على رجليه، فقالوا: يا خليفة رسول الله، أن لو ركبت! قال: احتسب خطاي في سبيل الله""
ففي كل مشي يمشيه المجاهد ذاهبا وقادما وصاعدا ونازلا، كله مأجور عليه وحسنات تجري عليه.
فصل في فضل الجهاد بالمال والإنفاق في سبيل الله:
وكثير تلك الآيات التي تأمر بالجهاد بالمال، وتقرنه بالجهاد بالنفس كما قال تعالى"وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله".
وقال تعالى"الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله".
قال القرطبي في التفسير"قوله تعالى:"وجاهدوا"أمر بالجهاد، وهو مشتق من الجهد"بأمو الكم وأنفسكم"روى أبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم"."
وهذا وصف لأكمل ما يكون من الجهاد وأنفعه عند الله تعالى، فحض على كمال الاوصاف"انتهى."