فهرس الكتاب
ج / 3 ص -126- وَالْيَدِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ فِي تَعْلِيقِهِ ، وَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ. وَأَمَّا إذَا كَانَ الْجَيْبُ ضَيِّقًا بِحَيْثُ لَا تُرَى الْعَوْرَةُ فِي حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ صَلَاتِهِ ، فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ سَوَاءٌ زَرَّهُ أَمْ لَا. هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِنَا ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ الْجَيْبُ وَاسِعًا تُرَى مِنْهُ عَوْرَتُهُ ، كَمَا لَوْ رَآهَا غَيْرُهُ مِنْ أَسْفَلِ ذَيْلِهِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: فَإِنْ كَانَ الْإِزَارُ ضَيِّقًا اتَّزَرَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ وَاسِعًا الْتَحَفَ بِهِ، وَيُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ كَمَا يَفْعَلُ الْقِصَارُ فِي الْمَاءِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إذَا صَلَّيْتَ وَعَلَيْكَ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ"وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي سَلَمَةَ رضي الله عنهما قَالَ:"رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُلْتَحِفًا بِهِ ، مُخَالِفًا بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْهِ"فَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزَرَ بِهِ1 أَوْ صَلَّى فِي سَرَاوِيلَ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَطْرَحَ عَلَى عَاتِقِهِ شَيْئًا لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبُ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا يَطْرَحُهُ عَلَى عَاتِقِهِ طَرَحَ حَبْلًا حَتَّى لَا يَخْلُو مِنْ شَيْءٍ".
الشرح: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الثَّلَاثَةُ رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَحُكْمُ الْمَسْأَلَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ"فَنَهْيُ كَرَاهَةِ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ ، فَلَوْ صَلَّى مَكْشُوفَ الْعَاتِقَيْنِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ ، هَذَا مَذْهَبُنَا ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَجُمْهُورِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. وَقَالَ أَحْمَدُ وَطَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ: يَجِبُ وَضْعُ شَيْءٍ عَلَى عَاتِقِهِ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، فَإِنْ تَرَكَهُ فَفِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ، وَخَصَّ أَحْمَدُ ذَلِكَ بِصَلَاةِ الْفَرْضِ. دَلِيلُنَا حَدِيثُ جَابِرٍ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"فَاتَّزَرَ بِهِ"هَكَذَا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَاحْتَجَّ بِهِ الْأَصْحَابُ وَغَيْرُهُمْ وَالله أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَيُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ وَهُوَ أَنْ يَلْتَحِفَ بِثَوْبٍ ثُمَّ يُخْرِجَ يَدَهُ مِنْ قِبَلِ صَدْرِهِ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم"نَهَى عَنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ"
الشرح: هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ ، وَالصَّمَّاءُ بِالْمَدِّ ، وَقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا تَفْسِيرُهَا وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اشْتِمَالِ الْيَهُودِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ تَفْسِيرِهَا فَغَرِيبٌ. قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ: اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ إدَارَةُ الثَّوْبِ عَلَى جَسَدِهِ لَا يُخْرِجُ مِنْهُ يَدَهُ ، نَهَى عَنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَتَاهُ مَا يَتَوَقَّاهُ لَمْ يُمْكِنْهُ إخْرَاجُ يَدِهِ بِسُرْعَةٍ وَلِأَنَّهُ إذَا أَخْرَجَ يَدَهُ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ. وَهَذَا تَفْسِيرُ الْأَصْمَعِيِّ وَسَائِرِ أَهْلِ اللُّغَةِ ، وَاَلَّذِي سَبَقَ عَنْ الْخَطَّابِيِّ تَفْسِيرُ الْفُقَهَاءِ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَتْ صَمَّاءَ ؛ لِأَنَّهُ سَدَّ مَنَافِذَهَا كَالصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ لَيْسَ فِيهَا خَرْقٌ وَلَا صَدْعٌ. وَقَوْلُهُ: وَأَنْ يَحْتَبِيَ هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ الْحُبْوَةِ بِضَمِّ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الِاحْتِبَاءُ أَنْ يَقْعُدَ الْإِنْسَانُ عَلَى أَلْيَيْهِ وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ ، وَيَحْتَوِيَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في بعض النسخ (فليأتزر) (ط) .