فهرس الكتاب
ج / 3 ص -161- الصَّلَاةَ فَذَكَرُوا الْكَلْبَ وَالْحِمَارَ وَالْمَرْأَةَ، فَقَالَتْ: شَبَّهْتُمُونَا بِالْحُمُرِ وَالْكِلَابِ، لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي وَأَنَا عَلَى السَّرِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ مُضْطَجِعَةً"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ:"أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي بِالنَّاسِ يَمِينًا إلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَعَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ:"أَتَانَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ فِي بَادِيَةٍ لَنَا فَصَلَّى فِي صَحْرَاءَ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ وَحِمَارَةٌ لَنَا وَكَلْبَةٌ تَعْبَثَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا بَالَى ذَلِكَ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. قَالَ أَبُو دَاوُد:"وَإِذَا اخْتَلَفَ الْخَبَرَانِ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم نُظِرَ إلَى مَا عَمِلَ بِهِ أَصْحَابُهُ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:"كُنْتُ رَدِيفَ الْفَضْلِ عَلَى أَتَانٍ فَجِئْنَا وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ بِمِنًى فَنَزَلْنَا عَنْهَا فَوَصَلْنَا الصَّفَّ فَمَرَّتْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَلَمْ تَقْطَعْ صَلَاتَهُمْ"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا فَمِنْ وَجْهَيْنِ، أَصَحُّهُمَا وَأَحْسَنُهُمَا مَا أَجَابَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَالْخَطَّابِيُّ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَطْعِ الْقَطْعُ عَنْ الْخُشُوعِ وَالذِّكْرِ لِلشُّغْلِ بِهَا وَالِالْتِفَاتِ إلَيْهَا لَا أَنَّهَا تُفْسِدُ الصَّلَاةَ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رحمه الله: وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَحَدُ رُوَاةٍ1 قَطَعَ الصَّلَاةَ بِذَلِكَ. ثُمَّ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ، فَهَذَا الْجَوَابُ هُوَ الَّذِي نَعْتَمِدُهُ، وَأَمَّا مَا يَدَّعِيهِ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنْ النَّسْخِ فَلَيْسَ بِمَقْبُولٍ، إذْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهِيَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا، إذْ يُمْكِنُ كَوْنُ أَحَادِيثِ الْقَطْعِ بَعْدَهُ. وَقَدْ عُلِمَ وَتَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَكُونُ نَاسِخًا، مَعَ أَنَّهُ لَوْ احْتَمَلَ النَّسْخَ لَكَانَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، إذْ لَيْسَ فِيهِ رَدُّ شَيْءٍ مِنْهَا، وَهَذِهِ أَيْضًا قَاعِدَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَالله أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ يَسْتَقْبِلُهُ وَيَرَاهُ، وَقَدْ كَرِهَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رضي الله عنهما؛ وَلِأَنَّهُ يَشْغَلُ الْقَلْبَ غَالِبًا، فَكُرِهَ كَمَا كُرِهَ النَّظَرُ إلَى مَا يُلْهِيهِ، كَثَوْبٍ لَهُ أَعْلَامٌ، وَرَفْعُ الْبَصَرِ إلَى السَّمَاءِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا ثَبَتَتْ فِيهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: كَرِهَ عُثْمَانُ رضي الله عنه أَنْ يَسْتَقْبِلَ الرَّجُلَ وَهُوَ يُصَلِّي، قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَإِنَّمَا هَذَا إذَا اشْتَغَلَ بِهِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَشْتَغِلْ بِهِ فَقَدْ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ:"مَا بَالَيْتُ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ"ثُمَّ احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي وَهِيَ مُسْتَقْبِلَتُهُ، بَلْ كَانَتْ مُضْطَجِعَةً، وَاضْطِجَاعُهَا فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ، فَوُجُودُهَا كَعَدَمِهِ، إذْ لَا يَنْظُرُ إلَيْهَا وَلَا يَسْتَقْبِلُهَا.
فرع: لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ إلَى النَّائِمِ وَتُكْرَهُ إلَى الْمُتَحَدِّثِينَ الَّذِينَ يَشْتَغِلُ بِهِمْ فَأَمَّا عَدَمُ الْكَرَاهَةِ فِي النَّائِمِ فَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ السَّابِقِ، وَأَمَّا الْكَرَاهَةُ فِي الْمُتَحَدِّثِ فَلِشُغْلِ الْقَلْبِ وَلِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا تُصَلُّوا خَلْفَ النَّائِمِ وَلَا الْمُتَحَدِّثِ"فَرَوَاهُ أَبُو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 بياض بالأصل (ش) هكذا علق المشايخ والعبارة مستقيمة وليس فيها سقط والله أعلم (ط) .