فهرس الكتاب
ج / 3 ص -176- فَعَقَّبَ الذِّكْرَ بِالصَّلَاةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا، وَبِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَالْإِضَافَةُ تَقْتَضِي أَنَّ الْمُضَافَ غَيْرُ الْمُضَافِ إلَيْهِ، كَدَارِ زَيْدٍ.
وَدَلِيلُنَا عَلَى الزُّهْرِيِّ حَدِيثُ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه فِي الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ:"إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَدِلَّةِ؛ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَذْكُرْ لَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إلَّا الْفُرُوضَ خَاصَّةً، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَمَاعَاتٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"كَانَ يُكَبِّرُ لِلْإِحْرَامِ".
وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي"وَهَذَا مُقْتَضَى وُجُوبِ كُلِّ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إلَّا مَا خَرَجَ وُجُوبُهُ بِدَلِيلٍ كَرَفْعِ الْيَدَيْنِ وَنَحْوِهِ. فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ مَا يَرَى وَهِيَ الْأَفْعَالُ دُونَ الْأَقْوَالِ، فَأَجَابَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ بِجَوَابَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ رُؤْيَةُ شَخْصِهِ صلى الله عليه وسلم وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلَهُ صلى الله عليه وسلم أَوْ قَالَهُ وَجَبَ عَلَيْنَا مِثْلُهُ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّؤْيَةِ الْعِلْمُ، أَيْ صَلُّوا كَمَا عَلِمْتُمُونِي أُصَلِّي.
وَالْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى الصَّوْمِ وَالْحَجِّ أَنَّهُمَا لَيْسَا مَبْنِيَّيْنِ عَلَى النُّطْقِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ ، وَدَلِيلُنَا عَلَى الْكَرْخِيِّ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ، فَإِنْ قَالُوا: الْمُرَادُ بِهِ تَكْبِيرَاتُ الِانْتِقَالَاتِ، فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَامٌّ وَلَا يُقْبَلُ تَخْصِيصُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ: وَالثَّانِي: أَنَّ حَمْلَهُ عَلَى تَكْبِيرَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا بِالِاتِّفَاقِ أَوْلَى مِنْ تَكْبِيرَةٍ لَا تَجِبُ، وَالْجَوَابُ عَنْ قوله تعالى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالذِّكْرِ هُنَا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ بِالْإِجْمَاعِ قَبْلَ خِلَافِ الْمُخَالِفِ. وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: الْإِضَافَةُ تَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ أَنَّ الْإِضَافَةَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: تَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ كَثَوْبِ زَيْدٍ، وَالثَّانِي: تَقْتَضِي الْجُزْئِيَّةَ كَقَوْلِهِ: رَأْسُ زَيْدٍ، وَصَحْنُ الدَّارِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الثَّانِي لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
فرع: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهَا، فَلَوْ تَرَكَهَا الْإِمَامُ أَوْ الْمَأْمُومُ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ وَلَا تُجْزِئُ عَنْهَا تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ وَلَا غَيْرُهَا، هَذَا مَذْهَبُنَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَالْجُمْهُورُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إذَا نَسِيَهَا فِيهَا أَجْزَأَتْهُ عَنْهَا تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَالْحَكَمِ وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَرِوَايَةً عَنْ حَمَّادِ1 بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ. قَالَ الْعَبْدَرِيُّ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَأْمُومِ مِثْلُهُ، لَكِنَّهُ قَالَ يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ش و ق (حامد بن أبي سليمان) وهو خطأ وإنما هو حماد بن أبي سليمان الأشعري مولاهم أبو إسماعيل الكوفي مات سنة 120 (ط) .