فهرس الكتاب
ج / 3 ص -187- وَقَالَ التَّمِيمِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِهِ التَّحْرِيرُ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: مِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ رَفْعُ الْيَدَيْنِ تَعَبُّدٌ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ إشَارَةٌ إلَى التَّوْحِيدِ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ الْمَالِكِيُّ فِي"شَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ": حِكْمَةُ الرَّفْعِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ أَنْ يَرَاهُ مَنْ لَا يَسْمَعُ التَّكْبِيرَ فَيَعْلَمُ دُخُولَهُ فِي الصَّلَاةِ فَيَقْتَدِي بِهِ، وَقِيلَ: هُوَ اسْتِسْلَامٌ وَانْقِيَادٌ، وَكَانَ الْأَسِيرُ إذَا غُلِبَ مَدَّ يَدَيْهِ عَلَامَةً لِاسْتِسْلَامِهِ، وَقِيلَ: هُوَ إشَارَةٌ إلَى طَرْحِ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْإِقْبَالِ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَى صَلَاتِهِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ - رحمه الله تعالى - فَإِذَا فَرَغَ مِنْ التَّكْبِيرِ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَضَعَ الْيَمِينَ عَلَى الْيَسَارِ فَيَضَعَ الْيَمِينَ عَلَى بَعْضِ الْكَفِّ وَبَعْضِ الرُّسْغِ، لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجُرٍ قَالَ:"قُلْتُ لَأَنْظُرَنَّ إلَى صَلَاةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم كَيْفَ يُصَلِّي فَنَظَرْتُ إلَيْهِ [وَقَدْ] وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى، وَالرُّسْغِ وَالسَّاعِدِ"وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَهُمَا تَحْتَ الصَّدْرِ لِمَا رَوَى وَائِلٌ قَالَ"رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى صَدْرِهِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى"
الشرح: أَمَّا حَدِيثُ وَائِلٍ فَسَنُبَيِّنُهُ فِي فَرْعَيْ مَسْأَلَتَيْ الْخِلَافَيْنِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا الْيَدُ الْيَسَارُ - فَبِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِهَا - لُغَتَانِ وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ وَالرُّسْغُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ - وَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ - قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَيُقَالُ بِضَمِّ السِّينِ وَجَمْعُهُ أَرْسَاغٌ، وَيُقَال رُصْغٌ بِالصَّادِ، وَكَذَا جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالسِّينُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ، وَهُوَ الْمَفْصِلُ بَيْنَ الْكَفِّ وَالسَّاعِدِ. وَوَائِلُ بْنُ حُجْرٍ - بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا جِيمٌ سَاكِنَةٌ - وَكَانَ وَائِلٌ مِنْ كِبَارِ الْعَرَبِ وَأَوْلَادِ مُلُوكِ حِمْيَرٍ، كُنْيَتُهُ أَبُو هُنَيْدَةَ نَزَلَ الْكُوفَةَ وَعَاشَ إلَى أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: السُّنَّةُ أَنْ يَحُطَّ يَدَيْهِ بَعْدَ التَّكْبِيرِ، وَيَضَعَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَيَقْبِضَ بِكَفِّ الْيُمْنَى كُوعَ الْيُسْرَى وَبَعْضَ رُسْغِهَا وَسَاعِدِهَا، قَالَ الْقَفَّالُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ بَسْطِ أَصَابِعِ الْيُمْنَى فِي عَرْضِ الْمَفْصِلِ وَبَيْنَ نَشْرِهَا فِي صَوْبِ السَّاعِدِ، وَيَجْعَلُهُمَا تَحْتَ صَدْرِهِ وَفَوْقَ سُرَّتِهِ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ، وَفِيهِ وَجْهٌ مَشْهُورٌ لِأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ يَجْعَلُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ إذَا أَرْسَلَ يَدَيْهِ هَلْ يُرْسِلُهُمَا إرْسَالًا بَلِيغًا، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ رَفْعَهُمَا إلَى تَحْتِ صَدْرِهِ وَوَضْعَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى أَمْ يُرْسِلُهُمَا إرْسَالًا خَفِيفًا إلَى تَحْتِ صَدْرِهِ فَقَطْ ثُمَّ يَضَعُ؟ قُلْتُ: الثَّانِي أَصَحُّ، وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ فِي تَدْرِيبِهِ وَجَزَمَ فِي الْخُلَاصَةِ بِالْأَوَّلِ.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى.
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ وَآخَرُونَ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالنَّخَعِيُّ وَأَبُو مِجْلَزٍ وَآخَرُونَ مِنْ التَّابِعِينَ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ: أَنَّهُ يُرْسِلُ يَدَيْهِ وَلَا يَضَعُ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ سِيرِينَ وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: يُرْسِلُهُمَا، فَإِنْ طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَضَعَ الْيُمْنَى عَلَى