فهرس الكتاب

الصفحة 1089 من 4102

ج / 3 ص -210- مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ فَقَالَ: اعْلَمْ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي الْجَهْرِ كَثِيرَةٌ، مِنْهُمْ مَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ فُهِمَ مِنْ عِبَارَتِهِ. وَلَمْ يَرِدْ تَصْرِيحٌ بِالْإِسْرَارِ بِهَا عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إلَّا رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: عَنْ ابْنِ مُغَفَّلٍ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ. وَالثَّانِيَةُ: عَنْ أَنَسٍ وَهِيَ مُعَلَّلَةٌ بِمَا أَوْجَبَ سُقُوطَ الِاحْتِجَاجِ بِهَا كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمِنْهُمْ مَنْ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ"قَسَمْتُ الصَّلَاةَ"السَّابِقِ وَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى الْإِسْرَارِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَدِلُّ بِحَدِيثٍ عَنْ عَائِشَةَ وَحَدِيثٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَاعْتِمَادُهُمْ عَلَى حَدِيثَيْ أَنَسٍ وَابْنِ مُغَفَّلٍ وَلَمْ يَدَعْ أَبُو الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ التَّحْقِيقُ غَيْرَهُمَا، فَقَالَ: لَنَا حَدِيثَانِ فَذَكَرَهُمَا، وَسَنُوَضِّحُ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِمَا، وَأَمَّا أَحَادِيثُ الْجَهْرِ فَالْحُجَّةُ قَائِمَةٌ بِمَا يَشْهَدُ لَهُ بِالصِّحَّةِ، مِنْهَا - وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ سِتَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَسَمُرَةَ بْنُ جُنْدُبٍ رضي الله عنهم - أَمَّا أَبُو هُرَيْرَةَ فَوَرَدَتْ عَنْهُ أَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى ذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ.

الْأَوَّلُ: مَا هُوَ مُسْتَنْبَطٌ مِنْ مُتَّفَقٍ عَلَى صِحَّتِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ"قَالَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ قِرَاءَةٌ"وَفِي رِوَايَةٍ"بِقِرَاءَةٍ"وَفِي أُخْرَى"لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ"قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ"فَمَا أَعْلَنَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَعْلَنَّاهُ لَكُمْ، وَمَا أَخْفَاهُ أَخْفَيْنَاهُ لَكُمْ"وَفِي رِوَايَةٍ"فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَسْمَعْنَاكُمْ وَمَا أَخْفَى مِنَّا أَخْفَيْنَاهُ مِنْكُمْ"كُلُّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي"الصَّحِيحِ"، وَبَعْضُهَا فِي"الصَّحِيحَيْنِ"، وَبَعْضُهَا فِي أَحَدِهِمَا، وَمَعْنَاهُ يَجْهَرُ بِمَا جَهَرَ بِهِ وَيُسِرُّ بِمَا أَسَرَّ بِهِ، ثُمَّ قَدْ ثَبَتَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ فِي صَلَاتِهِ بِالْبَسْمَلَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ الْجَهْرَ بِهَا مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.

قَالَ الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ الْبَغْدَادِيُّ: الْجَهْرُ بِالتَّسْمِيَةِ مَذْهَبٌ لِأَبِي هُرَيْرَةَ حُفِظَ عَنْهُ وَاشْتُهِرَ بِهِ وَرَوَاهُ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: حَدِيثُ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ الله الْمُجْمِرِ قَالَ"صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه فَقَرَأَ بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ حَتَّى إذَا بَلَغَ وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ: آمِينَ وَقَالَ النَّاسُ: آمِينَ وَيَقُولُ كُلَّمَا سَجَدَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَإِذَا قَامَ مِنْ الْجُلُوسِ مِنْ الِاثْنَيْنِ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَقُولُ إذَا سَلَّمَ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم"رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي"سُنَنِهِ"وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي"صَحِيحِهِ"قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي"مُصَنَّفِهِ": فَأَمَّا الْجَهْرُ بِبَسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الصَّلَاةِ فَقَدْ صَحَّ وَثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِإِسْنَادٍ ثَابِتٍ مُتَّصِلٍ لَا شَكَّ وَلَا ارْتِيَابَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْأَخْبَارِ فِي صِحَّةِ سَنَدِهِ وَاتِّصَالِهِ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ، ثُمَّ قَالَ: فَقَدْ بَانَ وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَجْهَرُ بِبَسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الصَّلَاةِ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ فِي"صَحِيحِهِ"وَالدَّارَقُطْنِيِّ فِي"سُنَنِهِ"وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَرُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي"الْمُسْتَدْرَكِ"عَلَى الصَّحِيحِ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ"الْخِلَافِيَّاتِ"ثُمَّ قَالَ: رُوَاةُ هَذَا الْحَدِيثِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ مُجْمَعٌ عَلَى عَدَالَتِهِمْ مُحْتَجٌّ بِهِمْ فِي"الصَّحِيحِ"، وَقَالَ فِي"السُّنَنِ الْكَبِيرِ": وَهُوَ إسْنَادٌ صَحِيحٌ وَلَهُ شَوَاهِدُ، وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ، فَرَوَاهُ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ مَرْضِيَّةٍ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ صَحِيحٌ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ تَعْلِيلٌ فِي اتِّصَالِهِ وَثِقَةِ رِجَالِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت