فهرس الكتاب
ج / 3 ص -308- قَالُوا لَوْ تَرَكَهُ سَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَشْهَرُ عَنْهُ أَنَّ الْوَاجِبَ الْجُلُوسُ بِقَدْرِ السَّلَامِ فَقَطْ. وَاحْتَجَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ، وَبِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ1 ابْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ الْأَفْرِيقِيِّ عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ:"قَالَ رَسُولُ الله: صلى الله عليه وسلم إذَا قَعَدَ الْإِمَامُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ، ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يَتَشَهَّدَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ"وَفِي رِوَايَةٍ"ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَأَلْفَاظُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه مَوْقُوفًا وَقِيَاسًا عَلَى التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَالتَّسْبِيحِ لِلرُّكُوعِ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ صَحِيحٌ بِهَذَا اللَّفْظِ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَا: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ التَّشَهُّدُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ فَرْضٌ وَالثَّانِي: قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم"وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ"وَهَذَا أَمْرٌ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَلَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ صَرِيحٌ فِي خِلَافِهِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلِأَنَّ التَّشَهُّدَ شَبِيهٌ بِالْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ لَا تَتَمَيَّزُ الْعِبَادَةُ مِنْهُمَا عَنْ الْعَادَةِ فَوَجَبَ فِيهِمَا ذِكْرٌ لِيَتَمَيَّزَ، بِخِلَافِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ لَهُ النِّيَّةَ وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى وُجُوبِهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ الْقُعُودَ لِلتَّشَهُّدِ، وَقَدْ وَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى وُجُوبِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ السَّلَامَ، وَقَدْ وَافَقَ مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ عَلَى وُجُوبِهِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ، مِمَّنْ نَصَّ عَلَى ضَعْفِهِ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَضَعْفُهُ ظَاهِرٌ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَيْسَ إسْنَادُهُ بِقَوِيٍّ، وَقَدْ اضْطَرَبُوا فِيهِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَضَعْفُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ"أَنَّهُ"مُضْطَرِبٌ، وَالْأَفْرِيقِيُّ ضَعِيفٌ أَيْضًا بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ، وَبَكْرُ بْنُ سَوَادَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو وَأَمَّا الْمَنْقُولُ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه فَضَعِيفٌ أَيْضًا ضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى التَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ فَقَدْ سَبَقَ الْجَوَابُ عَنْهُ. وَعَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَبَرَ تَرْكَهُ بِالسُّجُودِ، وَلَوْ كَانَ فَرْضًا لَمْ يُجْبَرْ وَلَمْ يَجُزْ هَذَا التَّشَهُّدُ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ2 وَلَمْ يَزَلْ الْمُسْلِمُونَ يَجْبُرُونَ الْأَوَّلَ بِالسُّجُودِ دُونَ الثَّانِي وَالله أَعْلَمُ.
فرع: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْإِسْرَارِ بِالتَّشَهُّدَيْنِ وَكَرَاهَةِ الْجَهْرِ بِهِمَا، وَاحْتَجُّوا لَهُ بِحَدِيثِ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ:"مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يُخْفِي التَّشَهُّدَ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَالْحَاكِمُ فِي"الْمُسْتَدْرَكِ"، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الشعباني أبو أيوب قاضي أفريقية عن أبيه وعنه ابن المبارك وابن وهب وثقه يحيى بن سعيد القطان واستنكر حديثه أحمد بن حنبل وقال يعقوب بن شيبة: رجل صالح من الآمرين بالمعروف وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه وقال البخاري: هو مقارب الحديث قلت: مات سنة 156 (ط) .
2 بياض بالأصل ولعله في كتاب"الأساليب" (ط) .