فهرس الكتاب
ج / 3 ص -315- وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ، وَفِيمَا ذَكَرْتُهُ كِفَايَةٌ وَبِالله التَّوْفِيقُ.
فرع: قَدْ سَبَقَ فِي فَصْلِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ بَيَانُ حُكْمِ الدُّعَاءِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ فِيمَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ. مَذْهَبُنَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَدْعُوَ فِيهَا بِكُلِّ مَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِهِ خَارِجَ الصَّلَاةِ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَلَهُ1: اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي كَسْبًا طَيِّبًا وَوَلَدًا وَدَارًا وَجَارِيَةً حَسْنَاءَ يَصِفُهَا، وَاللهمَّ خَلِّصْ فُلَانًا مِنْ السِّجْنِ وَأَهْلِكْ فُلَانًا وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلَا يُبْطِلُ صَلَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَنَا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ: لَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ إلَّا بِالْأَدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ الْمُوَافِقَةِ لِلْقُرْآنِ قَالَ الْعَبْدَرِيُّ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ بِمَا يُطْلَبُ مِنْ آدَمِيٍّ؟ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ: إنْ دَعَا بِمَا يَقْصِدُ بِهِ اللَّذَّةَ وَشِبْهَ كَلَامِ الْآدَمِيِّ كَطَلَبِ جَارِيَةٍ وَكَسْبٍ طَيِّبٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصِحُّ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى رَدِّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِيهِ مِنْ الدُّعَاءِ"وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ"فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ"وَهُمَا صَحِيحَانِ سَبَقَ بَيَانُهُمَا فَأَطْلَقَ الْأَمْرَ بِالدُّعَاءِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فَتَنَاوَلَ كُلَّ مَا يُسَمَّى دُعَاءً، وَلِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم دَعَا فِي مَوَاضِعَ بِأَدْعِيَةٍ مُخْتَلِفَةٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا حَجْرَ فِيهِ. وَفِي"الصَّحِيحَيْنِ"فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي آخِرِ التَّشَهُّدِ:"ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ مَا أَعْجَبَهُ وَأَحَبَّهُ إلَيْهِ، وَمَا شَاءَ"وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ كَمَا سَبَقَ فِي الْفَرْعِ قَبْلَهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ"ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ مَا بَدَا لَهُ"قَالَ النَّسَائِيُّ: وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ فِي قُنُوتِهِ:"اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَمَسْلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اُشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي"الصَّحِيحَيْنِ"قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم"اللَّهُمَّ الْعَنْ رِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ، عَصَتْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ"وَهَؤُلَاءِ قَبَائِلُ مِنْ الْعَرَبِ، وَالْأَحَادِيثُ بِنَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ كَثِيرَةٌ. وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِهِمْ أَنَّ الدُّعَاءَ لَا يَدْخُلُ فِي كَلَامِ النَّاسِ، وَعَنْ التَّشْمِيتِ وَرَدِّ السَّلَامِ أَنَّهُمَا مِنْ كَلَامِ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُمَا خِطَابٌ لِآدَمِيٍّ بِخِلَافِ، الدُّعَاءِ، وَالله تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَةً أَوْ رَكْعَتَيْنِ جَلَسَ فِي آخِرِهَا مُتَوَرِّكًا وَتَشَهَّدَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَلَى آلِهِ وَدَعَا عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي التَّشَهُّدِ ؛ لِأَنَّهُ حَالَةٌ مِنْ أَحْوَالِ الصَّلَاةِ لَمْ يُشْرَعْ فِيهَا الْقِرَاءَةُ فَكُرِهَتْ فِيهَا كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
الشرح: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ كُلَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى ثُمَّ يُسَلِّمُ وَهُوَ فَرْضٌ فِي الصَّلَاةِ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ"وَلِأَنَّهُ أَحَدُ طَرَفَيْ الصَّلَاةِ فَوَجَبَ فِيهِ نُطْقٌ كَالطَّرَفِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 يعني وله أن يقول