فهرس الكتاب
ج / 3 ص -327- قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي"الْأُمِّ"وَالْأَصْحَابُ: إذَا انْصَرَفَ الْمُصَلِّي إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا فَلَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ وَتِلْقَاءَ وَجْهِهِ رواه1 وَلَا كَرَاهَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ إنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ فِي جِهَةٍ مِنْ هَذِهِ الْجِهَاتِ أَنْ يَتَوَجَّهَ إلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَاجَةٌ فَجِهَةُ الْيُمْنَى أَوْلَى، وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ فِي"الْأُمِّ"وَالْأَصْحَابُ"بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ"وَقَدْ سَبَقَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ صِفَةِ الْوُضُوءِ فِي فَصْلِ غَسْلِ الْيَدَيْنِ وَجَاءَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله تعالى عنه قَالَ:"لَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ لَا يَرَى إلَّا أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إلَّا عَنْ يَمِينِهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَالَ:"أَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ"وَعَنْ هُلْبٍ بِضَمِّ الْهَاءِ الطَّائِيِّ رضي الله عنه"أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَكَانَ يَنْصَرِفُ عَنْ شِقَّيْهِ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُبَاحُ الِانْصِرَافُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله تعالى عنه عَلَى مَنْ يَعْتَقِدُ وُجُوبَ ذَلِكَ.
فرع: إذَا أَرَادَ أَنْ يَنْفَتِلَ فِي الْمِحْرَابِ وَيُقْبِلَ عَلَى النَّاسِ لِلذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَغَيْرِهِمَا جَازَ أَنْ يَنْفَتِلَ كَيْفَ شَاءَ، وَأَمَّا الْأَفْضَلُ فَقَالَ الْبَغَوِيّ الْأَفْضَلُ أَنْ يَنْفَتِلَ عَنْ يَمِينِهِ، وَقَالَ فِي كَيْفِيَّتِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله تعالى يُدْخِلُ يَمِينَهُ فِي الْمِحْرَابِ، وَيَسَارَهُ إلَى النَّاسِ، وَيَجْلِسُ عَلَى يَمِينِ الْمِحْرَابِ وَالثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ يُدْخِلُ يَسَارَهُ فِي الْمِحْرَابِ وَيَمِينَهُ إلَى الْقَوْمِ وَيَجْلِسُ عَلَى يَسَارِ الْمِحْرَابِ، هَذَا لَفْظُ الْبَغَوِيِّ فِي"التَّهْذِيبِ"وَجَزَمَ الْبَغَوِيّ فِي"شَرْحِ السُّنَّةِ"بِهَذَا الثَّانِي. وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِحَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ:"كُنَّا إذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي قُنُوتِهِ: رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ أَوْ تَجْمَعُ عِبَادَكَ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنْ لَمْ يَصِحَّ فِي هَذَا حَدِيثٌ فَلَسْت أَرَى فِيهِ إلَّا التَّخْيِيرَ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ مِمَّا يُتَنَفَّلُ بَعْدَهَا فَالسُّنَّةُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى بَيْتِهِ لِفِعْلِ النَّافِلَةِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهَا فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله تعالى عنه وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ:"قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا قَضَى أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ فِي مَسْجِدِهِ فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ نَصِيبًا فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْرًا"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَى بَيْتِهِ وَأَرَادَ التَّنَفُّلَ فِي الْمَسْجِدِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْ مَوْضِعِهِ قَلِيلًا لِتَكْثِيرِ مَوَاضِعِ سُجُودِهِ هَكَذَا عَلَّلَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ بِكَلَامِ إنْسَانٍ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كذا بالأصل ولعل الصواب"ووراءه" (ط) .