فهرس الكتاب

الصفحة 1249 من 4102

ج / 3 ص -369- اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْ أَوَّلِهِ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 17، 18] وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ بَعْدَ النَّوْمِ أَشَقُّ وَلِأَنَّ الْمُصَلِّينَ فِيهِ أَقَلُّ فَكَانَ أَفْضَلَ، فَإِنْ جَزَّأَ اللَّيْلَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ فَالثُّلُثُ الْأَوْسَطُ أَفْضَلُ لِمَا رَوَى عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ:"أَحَبُّ الصَّلَاةِ إلَى الله تَعَالَى صَلَاةُ دَاوُد كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ"وَلِأَنَّ الطَّاعَاتِ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَقَلُّ فَكَانَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ أَفْضَلَ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُومَ اللَّيْلَ كُلَّهُ لِمَا رَوَى عَبْدُ الله بْنُ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ:"تَصُومُ بِالنَّهَارِ ؟: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَنَامُ وَآتِي1 النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي".

الشرح: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَأَمَّا حَدِيثُهُ الْآخَرُ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَلَفْظُهُ عِنْدَهُمَا أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ الله قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ صُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِك عَلَيْك حَقًّا"وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَرُوِيَا فِي"الصَّحِيحَيْنِ"هَذَا اللَّفْظُ الْمَذْكُورُ فِي"الْمُهَذَّبِ"مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ.

وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَقَعُ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ بِغَيْرِ وَاوٍ فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنهما وَهَذَا غَلَطٌ صَرِيحٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا تَأْوِيلَ لَهُ، وَصَوَابُهُ عَبْدُ الله بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا، وَحَدِيثُهُ هَذَا فِي"الصَّحِيحَيْنِ"وَسَائِرِ كُتُبِ الْحَدِيثِ.

قَالَ الْعُلَمَاءُ: التَّهَجُّدُ أَصْلُهُ الصَّلَاةُ فِي اللَّيْلِ بَعْدَ النَّوْمِ، وقوله تعالى: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ وَأَهْلُ اللُّغَةِ: الْهُجُوعُ النَّوْمُ فِي اللَّيْلِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْآيَةِ فَقِيلَ: إنَّ مَا صِلَةٌ. وَالْمَعْنَى كَانُوا يَهْجَعُونَ قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ وَيُصَلُّونَ أَكْثَرَهُ، وَقَلِيلٌ مَعْنَاهُ كَانَ اللَّيْلُ الَّذِي يَنَامُونَهُ كُلُّهُ قَلِيلًا، وَقِيلَ بِالْوَقْفِ عَلَى قَلِيلًا أَيْ كَانُوا قَلِيلًا مِنْ النَّاسِ. ثُمَّ يُبْتَدَأُ مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ أَيْ لَا يَنَامُونَ شَيْئًا مِنْهُ وَضُعِّفَ هَذَا الْقَوْلُ. وَالْأَسْحَارُ جَمْعُ سَحَرٍ وَهُوَ آخِرُ اللَّيْلِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: السَّحَرُ السُّدُسُ الْآخِرُ مِنْ اللَّيْلِ، وَقَوْلُهُ:"فَإِنْ جَزَّأَ اللَّيْلَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ"يُقَالُ: جَزَّأَ بِتَشْدِيدِ الزَّايِ وَتَخْفِيفِهَا لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ السِّكِّيتِ وَغَيْرُهُ، وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ أَيْ قَسَّمَ.

أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: فَقِيَامُ اللَّيْلِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَقَدْ تَطَابَقَتْ عَلَيْهِ دَلَائِلُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ. وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِيهِ فِي"الصَّحِيحَيْنِ"وَغَيْرِهِمَا أَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ، وَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ. قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: وَالتَّطَوُّعُ الْمُطْلَقُ بِلَا سَبَبٍ فِي اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي النَّهَارِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ مَعَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَإِنْ قَسَمَ اللَّيْلَ نِصْفَيْنِ فَالنِّصْفُ الْآخِرُ أَفْضَلُ، وَإِنْ قَسَمَهُ أَثْلَاثًا مُسْتَوِيَةً فَالثُّلُثُ الْأَوْسَطُ أَفْضَلُهَا وَأَفْضَلُ مِنْهُ السُّدُسُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ لِحَدِيثِ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 في نسخة الركبي"وأمس النساء" (ط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت