ج / 4 ص -62- سَبْعٌ وَعِشْرُونَ بِحَسْبِ كَمَالِ الصَّلَاةِ وَمُحَافَظَتِهِ عَلَى هَيْئَاتِهَا وَخُشُوعِهَا وَكَثْرَةِ جَمَاعَتِهَا وَفَضْلِهِمْ وَشَرَفِ الْبُقْعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: فَالْجَمَاعَةُ مَأْمُورٌ بِهَا لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا: أحدها أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ وَالثَّانِي: سُنَّةٌ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا والثالث: فَرْضُ عَيْنٍ لَكِنْ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا الثَّالِثُ قَوْلُ اثْنَيْنِ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِنَا الْمُتَمَكِّنِينَ فِي الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ، وَهُمَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَقِيلَ: إنَّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْإِمَامَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَهُوَ قَوْلُ شَيْخَيْ الْمَذْهَبِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي إِسْحَاقَ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ، وَصَحَّحَهُ أَكْثَرُ الْمُصَنِّفِينَ، وَهُوَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، وَصَحَّحَتْ طَائِفَةٌ كَوْنَهَا سُنَّةً، مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، فَإِذَا قُلْنَا: إنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ فَامْتَنَعَ أَهْلُ بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ مِنْ إقَامَتِهَا قَاتَلَهُمْ الْإِمَامُ وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُمْ الْحَرَجُ إلَّا إذَا أَقَامُوهَا، بِحَيْثُ يَظْهَرُ هَذَا الشِّعَارُ فِيهِمْ فَفِي الْقَرْيَةِ الصَّغِيرَةِ يَكْفِي إقَامَتُهَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَفِي الْبَلْدَةِ وَالْقَرْيَةِ الْكَبِيرَةِ يَجِبُ إقَامَتُهَا فِي مَوَاضِعَ بِحَيْثُ يَظْهَرُ فِي الْمَحَالِّ وَغَيْرِهَا، فَلَوْ اقْتَصَرُوا عَلَى إقَامَتِهَا فِي الْبُيُوتِ فَوَجْهَانِ: أصحهما، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: لَا يَسْقُطُ الْحَرَجُ عَنْهُمْ لِعَدَمِ ظُهُورِهَا والثاني: يَسْقُطُ إذَا ظَهَرَتْ فِي الْأَسْوَاقِ وَاخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ. أَمَّا إذَا قُلْنَا: إنَّهَا سُنَّةٌ فَهِيَ سُنَّةٌ مُتَأَكَّدَةٌ. قَالَ أَصْحَابُنَا: يُكْرَهُ تَرْكُهَا، صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَآخَرُونَ، فَعَلَى هَذَا لَوْ اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ عَلَى تَرْكِهَا فَهَلْ يُقَاتَلُونَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أصحهما: لَا يُقَاتَلُونَ كَسُنَّةِ الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ وَغَيْرِهِمَا، وَبِهَذَا قَطَعَ الْبَنْدَنِيجِيُّ والثاني: يُقَاتَلُونَ؛ لِأَنَّهُ شِعَارٌ ظَاهِرٌ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْوَجْهَيْنِ فِي بَابِ الْأَذَانِ، وَهُمَا جَارِيَانِ فِي الْأَذَانِ، وَالْجَمَاعَةِ وَالْعِيدِ إذَا قُلْنَا: إنَّهَا سُنَنٌ.
فرع: لَوْ أَقَامَ الْجَمَاعَةَ طَائِفَةٌ يَسِيرَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ وَأَظْهَرُوهَا فِي كُلِّ الْبَلَدِ، وَلَمْ يَحْضُرْهَا جُمْهُورُ الْمُقِيمِينَ فِي الْبَلَدِ حَصَلَتْ الْجَمَاعَةُ، وَلَا إثْمَ عَلَى الْمُتَخَلِّفِينَ، كَمَا إذَا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ طَائِفَةٌ يَسِيرَةٌ، هَكَذَا قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي الْهَمِّ بِتَحْرِيقِ بُيُوتِ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ الْجَمَاعَةِ يُخَالِفُ هَذَا، وَلَكِنْ هَمَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِتَحْرِيقِهِمْ، وَلَمْ يَفْعَلْ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا تَرَكَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: فِي أَهْلِ الْبَوَادِي قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: عِنْدِي فِيهِمْ نَظَرٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَتَعَرَّضُونَ لِهَذَا الْفَرْضِ بَلْ يَكُونُ سُنَّةً فِي حَقِّهِمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يَتَعَرَّضُونَ لَهُ إذَا كَانُوا سَاكِنِينَ قَالَ: ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُسَافِرِينَ لَا يَتَعَرَّضُونَ لِهَذَا الْفَرْضِ، قَالَ: وَكَذَا إذَا قَلَّ عَدَدُ سَاكِنِي قَرْيَةٍ، هَذَا كَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ أَهْلَ الْبَوَادِي السَّاكِنِينَ وَالْعَدَدَ الْقَلِيلَ فِي الْقَرْيَةِ يُتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ فَرْضُ الْكِفَايَةِ فِي الْجَمَاعَةِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ السَّابِقِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ:"مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ، وَلَا بَدْوٍ".
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا تَكُونُ الْجَمَاعَةُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ فَرْضَ عَيْنٍ، وَلَا فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَلَكِنَّهَا