ج / 4 ص -80- الشرح: إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ قَائِمًا ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ وَيَهْوِي إلَيْهِ، فَإِنْ وَقَعَ بَعْضُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فِي غَيْرِ الْقِيَامِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ فَرْضًا بِلَا خِلَافٍ، وَلَا تَنْعَقِدُ نَفْلًا أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِيهِ وَجْهٌ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ صِفَةِ الصَّلَاةِ وَسَبَقَ هُنَاكَ، أَنَّ الْأَشْهَرَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ الْمَسْبُوقَ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا وَوَقَعَتْ تَكْبِيرَةُ إحْرَامِهِ فِي حَدِّ الرُّكُوعِ انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ فَرْضًا، دَلِيلُنَا الْقِيَاسُ عَلَى غَيْرِ الْمَسْبُوقِ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالْفَاتِحَةِ بَلْ يَهْوِي لِلرُّكُوعِ مُكَبِّرًا لَهُ، وَكَذَا لَوْ أَدْرَكَهُ قَائِمًا فَكَبَّرَ فَرَكَعَ الْإِمَامُ بِمُجَرَّدِ تَكْبِيرِهِ. فَلَوْ اقْتَصَرَ فِي الْحَالَيْنِ عَلَى تَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَتَى بِهَا بِكَمَالِهَا فِي حَالِ الْقِيَامِ فَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: أحدها: أَنْ يَنْوِيَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ فَقَطْ فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ فَرِيضَةً الثاني: أَنْ يَنْوِيَ تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ فَلَا تَنْعَقِدُ صَلَاتُهُ الثالث: يَنْوِيهِمَا جَمِيعًا فَلَا تَنْعَقِدُ فَرْضًا بِلَا خِلَافٍ، وَفِي انْعِقَادِهَا نَفْلًا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: الصَّحِيحُ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ: لَا تَنْعَقِدُ وَالثَّانِي: تَنْعَقِدُ. وَالثَّالِثُ حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: إنْ كَانَتْ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا نَافِلَةً انْعَقَدَتْ نَافِلَةً، وَإِنْ كَانَتْ فَرِيضَةً فَلَا الْحَالُ الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَنْوِيَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا، بَلْ يُطْلِقُ التَّكْبِيرَ، فَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ في"الأم"وَقَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ لَا تَنْعَقِدُ. وَالثَّانِي: تَنْعَقِدُ فَرْضًا لِقَرِينَةِ الِافْتِتَاحِ، وَمَالَ إلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ. وَأَمَّا قِيَاسُ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَنْ أَخْرَجَ دَرَاهِمَ وَنَوَى بِهَا الزَّكَاةَ وَصَدَقَةَ التَّطَوُّعِ. فَمُرَادُهُ أَنَّهُ يَقَعُ صَدَقَةَ تَطَوُّعٍ بِلَا خِلَافٍ، وَلَكِنَّهُ قِيَاسٌ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ، وَلَيْسَ بَيْنَهَا جَامِعٌ وَعِلَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ، وَلَوْ كَانَ فَالْفَرْقُ: أَنَّ الدَّرَاهِمَ لَمْ تَجْزِهِ عَنْ الزَّكَاةِ، فَبَقِيَتْ تَبَرُّعًا، وَهَذَا مَعْنَاهُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، وَأَمَّا تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ فَهِيَ رُكْنٌ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ وَلِصَلَاةِ النَّفْلِ، وَلَمْ تَتَمَحَّضْ هَذِهِ التَّكْبِيرَةُ لِلْإِحْرَامِ، وَلَمْ تَنْعَقِدْ فَرْضًا، وَكَذَا النَّفَلُ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي اعْتِبَارِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ المصنف رحمه الله تعالى:"وَإِنْ أَدْرَكَ مَعَهُ مِقْدَارَ الرُّكُوعِ الْجَائِزِ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ لَمْ يُدْرِكْ الرَّكْعَةَ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ"مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلْيُضِفْ إلَيْهَا أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ الرُّكُوعَ فَلْيُتِمَّ الظُّهْرَ أَرْبَعًا"."
الشرح: هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَلَفْظُهُ"مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَلْيُصَلِّ إلَيْهَا أُخْرَى، فَإِنْ أَدْرَكَهُمْ جُلُوسًا صَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا"فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: إذَا أَدْرَكَ مَسْبُوقٌ الْإِمَامَ رَاكِعًا وَكَبَّرَ، وَهُوَ قَائِمٌ ثُمَّ رَكَعَ فَإِنْ وَصَلَ الْمَأْمُومُ إلَى حَدِّ الرُّكُوعِ الْمُجْزِئِ، وَهُوَ أَنْ تَبْلُغَ رَاحَتَاهُ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ الْإِمَامُ عَنْ حَدِّ الرُّكُوعِ الْمُجْزِئِ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ وَحُسِّبَتْ لَهُ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ: وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَطْمَئِنَّ الْمَأْمُومُ فِي الرُّكُوعِ قَبْلَ ارْتِفَاعِ الْإِمَامِ عَنْ حَدِّ الرُّكُوعِ الْمُجْزِئِ. وَأَطْلَقَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ الْمَسْأَلَةَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلطُّمَأْنِينَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِهَا كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: قَالَ أَصْحَابُنَا: ، وَلَا يَضُرُّ ارْتِفَاعُ الْإِمَامِ عَنْ أَكْمَلِ الرُّكُوعِ إذَا لَمْ يَرْتَفِعْ عَنْ الْقَدْرِ الْمُجْزِئِ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ إدْرَاكِ الرَّكْعَةِ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَهُ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ، وَتَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ وَأَطْبَقَ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ