ج / 4 ص -149- مِيلًا هَاشِمِيَّةً. وَالْمِيلُ سِتَّةُ آلَافِ ذِرَاعٍ، وَالذِّرَاعُ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ أُصْبُعًا مُعْتَدِلَةً مُعْتَرِضَةً، وَالْأُصْبُعُ سِتُّ شَعِيرَاتٍ مُعْتَدِلَاتٍ مُعْتَرِضَاتٍ. وَقَوْلُهُ"وَالتَّرْحَالُ"بِفَتْحِ التَّاءِ - وَأَمَّا الْأَثَرُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ فَسَنَذْكُرُهُ فِي فرع: مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ إلَّا فِي سَفَرٍ يَبْلُغُ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ مِيلًا بِالْهَاشِمِيِّ سَوَاءٌ فِي هَذَا جَمِيعُ الْأَسْفَارِ الْمُبَاحَةِ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ، وَصَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْهُ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ الْقَصْرُ مَعَ الْخَوْفِ، وَلَا يُشْتَرَطُ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا، وَهَذَا شَاذٌّ مَرْدُودٌ وَاَلَّذِي تَطَابَقَتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَكُتُبُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي جَمِيعِ الْأَسْفَارِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا هَاشِمِيَّةً، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى بَنِي هَاشِمِ، وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَذَلِكَ بِالْمَرَاحِلِ مَرْحَلَتَانِ قَاصِدَتَانِ سَيْرَ الْأَثْقَالِ وَدَبِيبَ الْأَقْدَامِ. هَكَذَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَصَاحِبَا الشَّامِلِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ: لِلشَّافِعِيِّ رحمه الله سَبْعَةُ نُصُوصٍ فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ. قَالَ فِي مَوْضِعٍ: ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا؛ وَفِي مَوْضِعٍ سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ، وَفِي مَوْضِعٍ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ، وَفِي مَوْضِعٍ أَرْبَعُونَ، وَفِي مَوْضِعٍ يَوْمَانِ، وَفِي مَوْضِعٍ لَيْلَتَانِ، وَفِي مَوْضِعٍ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ.
قَالُوا: قَالَ أَصْحَابُنَا: الْمُرَادُ بِهَذِهِ النُّصُوصِ كُلِّهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا هَاشِمِيَّةً. وَحَيْثُ قَالَ: سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ أَرَادَ سِوَى مِيلِ الِابْتِدَاءِ وَمِيلِ الِانْتِهَاءِ وَحَيْثُ قَالَ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ أَرَادَ أَكْثَرَ بِثَمَانِيَةٍ. وَحَيْثُ قَالَ أَرْبَعُونَ أَرَادَ أَرْبَعِينَ أُمَوِيَّةً، وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ هَاشِمِيَّةً، فَإِنَّ أَمْيَالَ بَنِي أُمَيَّةَ أَكْبَرُ مِنْ الْهَاشِمِيَّةِ كُلُّ خَمْسَةٍ سِتَّةٌ. وَحَيْثُ قَالَ يَوْمَانِ أَيْ بِلَا لَيْلَةٍ. وَحَيْثُ قَالَ: لَيْلَتَانِ أَيْ بِلَا يَوْمٍ، وَحَيْثُ قَالَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ أَرَادَهُمَا مَعًا فَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ نُصُوصِهِ وَهَلْ التَّقْدِيرُ بِثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ مِيلًا تَحْدِيدٌ أَمْ تَقْرِيبٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ أصحهما تَحْدِيدٌ، لِأَنَّ فِيهِ تَقْدِيرًا بِالْأَمْيَالِ ثَابِتًا عَنْ الصَّحَابَةِ بِخِلَافِ تَقْدِيرِ الْقُلَّتَيْنِ، فَإِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ تَقْرِيبٌ، لِأَنَّهُ لَا تَوْقِيفَ فِي تَقْدِيرِهِ بِالْأَرْطَالِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَقْصُرَ فِي أَقَلَّ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ سَنَذْكُرُهُ فِي فرع: مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ أَصْحَابنَا: فَإِنْ كَانَ السَّيْرُ فِي الْبَحْرِ اُعْتُبِرَتْ الْمَسَافَةُ بِمِسَاحَتِهَا فِي الْبَرِّ حَتَّى لَوْ قَطَعَ قَدْرَ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ مِيلًا فِي سَاعَةٍ أَوْ لَحْظَةٍ جَازَ لَهُ الْقَصْرُ، لِأَنَّهَا مَسَافَةٌ صَالِحَةٌ لِلْقَصْرِ، فَلَا يُؤَثِّرُ قَطْعُهَا فِي زَمَنٍ قَصِيرٍ، كَمَا لَوْ قَطَعَهَا فِي الْبَرِّ عَلَى فَرَسٍ جَوَادٍ فِي بَعْضِ يَوْمٍ، فَلَوْ شَكَّ فِي الْمَسَافَةِ اجْتَهَدَ؛ نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ في"الأم"أَنَّهُ إذَا شَكَّ فِي الْمَسَافَةِ لَمْ يَجُزْ الْقَصْرُ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ بِالِاجْتِهَادِ وَلَوْ حَبَسَتْهُمْ الرِّيحُ فِي الْمَرَاسِي وَغَيْرِهَا، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: هُوَ كَالْإِقَامَةِ فِي الْبَرِّ بِغَيْرِ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ.
فرع: يُشْتَرَطُ فِي كَوْنِ السَّفَرِ مَرْحَلَتَيْنِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَقْصِدِ مَرْحَلَتَانِ فَلَوْ قَصَدَ مَوْضِعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَرْحَلَةٌ بِنِيَّةِ أَنْ لَا يُقِيمَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْقَصْرُ لَا ذَاهِبًا وَلَا رَاجِعًا، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَشَقَّةُ مَرْحَلَتَيْنِ