فهرس الكتاب

الصفحة 1430 من 4102

ج / 4 ص -151- وَالْجَوَابُ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ أَهْلُ الظَّاهِرِ مِنْ إطْلَاقِ الْآيَةِ وَالْأَحَادِيثِ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْقَصْرُ صَرِيحًا فِي دُونِ مُرْحَلَتَيْنِ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ غَايَةَ سَفَرِهِ كَانَتْ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ إذَا سَافَرَ سَفَرًا طَوِيلًا فَتَبَاعَدَ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ قَصَرَ، وَلَيْسَ التَّقْيِيدُ بِالثَّلَاثَةِ لِكَوْنِهِ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ عِنْدَ مُفَارَقَةِ الْبَلَدِ، بَلْ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَحْتَاجُ إلَى الْقَصْرِ إلَّا إذَا تَبَاعَدَ هَذَا الْقَدْرَ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ لَا يُسَافِرُ عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُصَلِّيَهَا فَلَا تُدْرِكُهُ الصَّلَاةُ الْأُخْرَى إلَّا وَقَدْ تَبَاعَدَ عَنْ الْمَدِينَةِ.

وَأَمَّا حَدِيثُ شُرَحْبِيلَ وَقَوْلُهُ:"إنَّ عُمَرَ رضي الله عنه صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ"فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ مُسَافِرًا إلَى مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا فَمَرَّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا أَنَّ ذَا الْحُلَيْفَةِ غَايَةُ سَفَرِهِ.

وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِاشْتِرَاطِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ: فَهُوَ أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرُوهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ السَّفَرَ لَا يَنْطَلِقُ إلَّا عَلَى مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُسَافِرَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ هَذَا السَّفَرَ الْخَاصَّ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّهُ ثَبَتَ عَنْ أَبِي سَعِيدِ رِوَايَةٌ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ إلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا مَحْرَمٌ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ1 وَمُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ لَيْلَةً، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد لَا تُسَافِرْ بَرِيدًا وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ وَالْيَوْمَيْنِ وَالْيَوْمِ صَحِيحَةٌ، وَكَأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ تُسَافِرُ ثَلَاثًا بِغَيْرِ مَحْرَمٍ. فَقَالَ: لَا، وَسُئِلَ عَنْ سَفَرِهَا يَوْمَيْنِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، فَقَالَ: لَا، وَسُئِلَ عَنْ يَوْمٍ، فَقَالَ: لَا، فَأَدَّى كُلٌّ مِنْهُمْ مَا حَفِظَ، وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا حَدًّا لِلسَّفَرِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ"لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ وَلَا تُسَافِرْ امْرَأَةٌ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ هَذَا كَلَامُ الْبَيْهَقِيّ، فَحَصَلَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُرِدْ تَحْدِيدَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ السَّفَرُ بَلْ أَطْلَقَهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَعَلَى يَوْمَيْنِ وَعَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَعَلَى يَوْمٍ وَعَلَى لَيْلَةٍ وَعَلَى بَرِيدٍ وَهُوَ مَسِيرَةُ نِصْفِ يَوْمٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْجَمِيعَ يُسَمَّى سَفَرًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَإِنْ كَانَ لِلْبَلَدِ الَّذِي يَقْصِدُهُ طَرِيقَانِ يَقْصُرُ فِي أَحَدِهِمَا وَلَا يَقْصُرُ فِي الْآخَرِ فَسَلَكَ الْأَبْعَدَ لِغَرَضٍ يُقْصَدُ فِي الْعَادَةِ قَصَرَ، وَإِنْ سَلَكَهُ لِيَقْصُرَ فَفِيهِ قَوْلَانِ قَالَ فِي الْإِمْلَاءِ: لَهُ أَنْ يَقْصُرَ لِأَنَّهُ مَسَافَةٌ تُقْصَرُ فِي مِثْلِهَا الصَّلَاةُ2 [فَجَازَ لَهُ الْقَصْرُ فِيهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ سِوَاهُ] وَقَالَ في"الأم"لَيْسَ لَهُ الْقَصْرُ لِأَنَّهُ طَوَّلَ الطَّرِيقَ لِلْقَصْرِ فَلَا يَقْصُرُ كَمَا لَوْ مَشَى فِي مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ طُولًا وَعَرْضًا حَتَّى طَالَ".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 في رواية البخاري (حرمة ) (ط)

2 كل ما بين المعقوفين ساقط من ش و ق (ط)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت