ج / 4 ص -249- بِهِ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَكَاهُ أَيْضًا الرَّافِعِيُّ: أَنَّهَا تَسْقُطُ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وَلَا يَتَقَاصَرُ عَنْ عُذْرِ الْمَطَرِ، وَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا لَيْسَ لَهُ حَقٌّ بِوَجْهٍ مِنْ الْأُمُورِ السَّابِقَةِ لَمْ تَسْقُطْ الْجُمُعَةُ عَنْ الْمُتَخَلِّفِ عِنْدَهُ بِلَا خِلَافٍ، هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ لَهُ مُتَعَهِّدٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَهِّدٌ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ: إنْ خَافَ هَلَاكَهُ إنْ غَابَ عَنْهُ فَهُوَ عُذْرٌ يُسْقِطُ الْجُمُعَةَ، سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا أَوْ أَجْنَبِيًّا، قَالُوا: لِأَنَّ إنْقَاذَ الْمُسْلِمِ مِنْ الْهَلَاكِ فَرْضُ كِفَايَةٍ. وَإِنْ كَانَ يَلْحَقُهُ بِغَيْبَتِهِ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ لَا يَبْلُغُ دَفْعُهُ مَبْلَغَ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أصحها: أَنَّهُ عُذْرٌ أَيْضًا والثاني: لَا والثالث: عُذْرٌ فِي الْقَرِيبِ وَنَحْوِهِ دُونَ الْأَجْنَبِيِّ؛ وَلَوْ كَانَ لَهُ مُتَعَهِّدٌ لَا يَتَفَرَّغُ لِخِدْمَتِهِ لِاشْتِغَالِهِ بِشِرَاءِ الْأَدْوِيَةِ وَنَحْوِهِ فَهُوَ كَمَنْ لَا مُتَعَهِّدَ لَهُ لِفَوَاتِ مَقْصُودِ الْمُتَعَهِّدِ.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَمَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَإِنْ حَضَرَ الْجَامِعَ إلَّا الْمَرِيضَ وَمَنْ فِي طَرِيقِهِ مَطَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمَا لِلْمَشَقَّةِ وَقَدْ زَالَتْ بِالْحُضُورِ".
الشرح: هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْمُصَنِّفُ نَاقِصٌ يَرِدُ عَلَيْهِ الْأَعْمَى الَّذِي لَا يَجِدُ قَائِدًا، وَغَيْرُهُ مِمَّنْ سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ الله تعالى. قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا حَضَرَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ وَالْعَبِيدُ وَالْمُسَافِرُونَ الْجَامِعَ فَلَهُمْ الِانْصِرَافُ وَيُصَلُّونَ الظُّهْرَ، وَخَرَّجَ ابْنُ الْقَاصِّ وَجْهًا فِي الْعَبْدِ: أَنَّهُ إذَا حَضَرَ لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ، وَأَمَّا الْأَعْمَى الَّذِي لَا يَجِدُ قَائِدًا فَإِذَا حَضَرَ لَزِمَتْهُ وَلَا خِلَافَ لِزَوَالِ الْمَشَقَّةِ. وَأَمَّا الْمَرِيضُ فَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَكْثَرُونَ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الِانْصِرَافُ، بَلْ إذَا حَضَرَ لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ، وَالْأَوْلَى التَّفْصِيلُ فَإِنْ حَضَرَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَلَهُ الِانْصِرَافُ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَقَبْلَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ وَنِيَّتِهَا فَإِنْ لَمْ تَلْحَقْهُ زِيَادَةُ مَشَقَّةٍ بِانْتِظَارِهَا لَزِمَتْهُ، وَإِنْ لَحِقَتْهُ لَمْ تَلْزَمْهُ بَلْ لَهُ الِانْصِرَافُ.
وَهَذَا التَّفْصِيلُ حَسَنٌ وَاسْتَحْسَنَهُ الرَّافِعِيُّ فَقَالَ: لَا يَبْعُدُ حَمْلُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ قَالَ: وَأَلْحَقُوا بِالْمَرَضِ الْأَعْذَارَ الْمُلْحَقَةَ بِهِ، وَقَالُوا: إذَا حَضَرُوا لَزِمَتْهُمْ الْجُمُعَةُ، قَالَ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونُوا عَلَى التَّفْصِيلِ أَيْضًا إنْ لَمْ يَزِدْ ضَرَرُ الْمَعْذُورِ بِالصَّبْرِ إلَى فَرَاغِ الْجُمُعَةِ لَزِمَتْهُ، وَإِنْ زَادَ فَلَهُ الِانْصِرَافُ وَيُصَلِّي الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ، هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَشْرَعُوا فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ؛ فَإِنْ أَحْرَمَ بِهَا الَّذِينَ لَا تَلْزَمُهُمْ ثُمَّ أَرَادُوا قَطْعَهَا قَالَ فِي الْبَيَانِ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، وَفِي جَوَازِهِ لِلْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الصَّيْمَرِيُّ، وَلَمْ يُصَحِّحْ أَحَدَهُمَا. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِمَا قَطْعُهَا؛ لِأَنَّهَا انْعَقَدَتْ عَنْ فَرْضِهِمَا فَتَعَيَّنَ إتْمَامُهَا. وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ وَمَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي الْفَرِيضَةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا حَرُمَ عَلَيْهِ قَطْعُهَا، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ في"الأم"وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ إلَّا احْتِمَالًا لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَإِنْ اتَّفَقَ يَوْمُ عِيدٍ وَيَوْمُ جُمُعَةٍ فَحَضَرَ أَهْلُ السَّوَادِ فَصَلَّوْا الْعِيدَ جَازَ أَنْ يَنْصَرِفُوا وَيَتْرُكُوا الْجُمُعَةَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ:"أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ اجْتَمَعَ عِيدَانِ فِي يَوْمِكُمْ فَمَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ الْعَالِيَةِ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَنَا الْجُمُعَةَ فَلِيُصَلِّ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ فَلِيَنْصَرِفْ"وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَلِأَنَّهُمْ إذَا قَعَدُوا فِي الْبَلَدِ لَمْ يَتَهَيَّئُوا"