فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 4102

ج / 1 ص -60- الْأَصْحَابُ، وَلَهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ أَرَادَ، وَلَوْ مِنْ نَفْسِ النَّجَاسَةِ وَلَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَقِيلَ: يَجِيءُ الْخِلَافُ فِي التَّبَاعُدِ حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ، وَحَكَاهُ الْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ، قَالَ الْإِمَامُ وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: لَا يَجِيءُ ذَلِكَ الْخِلَافُ؛ لِأَنَّ جَرَيَانَ الْمَاءِ يَمْنَعُ انْتِشَارَ النَّجَاسَةِ. ثُمَّ اخْتَارَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالْوَسِيطِ: أَنَّهُ يَجِبُ اجْتِنَابُ حَرِيمِ النَّجَاسَةِ فِي الْجَارِي وَهُوَ مَا يُنْسَبُ إلَيْهَا، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْغَزَالِيَّ فِي"الوسيط"أَوْجَبَ اجْتِنَابَ حَرِيمِ الرَّاكِدِ أَيْضًا فَفَرَّقَ فِي الْبَسِيطِ بَيْنَ الْحَرِيمَيْنِ فَأَوْجَبَ اجْتِنَابَهُ فِي الْجَارِي دُونَ الرَّاكِدِ أَوْ، كَذَا فَرَّقَ شَيْخُهُ، قَالَ: لِأَنَّ الرَّاكِدَ لَا حَرَكَةَ لَهُ حَتَّى يَنْفصل: الْبَعْضُ عَنْ الْبَعْضِ فِي الْحُكْمِ، وَالْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ اجْتِنَابُ الْحَرِيمِ لَا فِي الْجَارِي وَلَا فِي الرَّاكِدِ، وَكَذَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ وَجَعَلَهُ الْمَذْهَبَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَإِذَا كَانَتْ الْجِرْيَةُ الَّتِي فِيهَا النَّجَاسَةُ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ وَقُلْنَا: إنَّهَا نَجِسَةٌ، فَقَالَ الْبَغَوِيّ: مَحَلُّ النَّجَاسَةِ مِنْ الْمَاءِ وَالنَّهْرِ نَجِسٌ، وَالْجِرْيَةُ الَّتِي تَعْقُبُهَا تَغْسِلُ الْمَحَلَّ فَهِيَ فِي حُكْمِ غُسَالَةِ النَّجَاسَةِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ نَجَاسَةَ كَلْبٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ سَبْعِ جِرْيَاتٍ عَلَيْهَا، وَقَوْلُهُ فِي النَّجَاسَةِ الْوَاقِفَةِ: إنْ كَانَ مَا يَجْرِي عَلَيْهَا قُلَّتَيْنِ فَطَاهِرٌ، يَعْنِي إنْ كَانَتْ الْجِرْيَةُ قُلَّتَيْنِ، وَكَذَا كُلُّ جِرْيَةٍ هِيَ قُلَّتَانِ لَا تَغَيُّرَ فِيهَا فَهِيَ طَاهِرَةٌ، وَقَوْلُهُ: إنْ كَانَتْ دُونَهُ فَنَجِسٌ يَعْنِي عَلَى الصَّحِيحِ الْجَدِيدِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَدِيمِ: أَنَّ الْجَارِيَ لَا يَنْجَسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ فَهُوَ طَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: وَلَا يَطْهُرُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَرْكُدَ فِي مَوْضِعٍ، فَيَبْلُغُ قُلَّتَيْنِ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَابْنُ الْقَاصِّ إلَى قَوْلِهِ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. هَذَا الَّذِي صَحَّحَهُ هُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ أَصْحَابُنَا الْمُصَنِّفُونَ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَعَلَى هَذَا لَا يَزَالُ نَجِسًا، وَإِنْ امْتَدَّ فَرَاسِخَ وَبَلَغَ مَجْمُوعُهُ أَلْفَ قُلَّةٍ، وَقَدْ يُقَالُ: مَاءٌ بَلَغَ أَلْفَ قُلَّةٍ لَا تَغَيُّرَ فِيهِ، وَهُوَ مَحْكُومٌ بِنَجَاسَتِهِ وَهَذِهِ صُورَتُهُ وَيُقَالُ: مَاءٌ بَلَغَ أَلْفَ قُلَّةٍ، وَلَا تَغَيُّرَ فِيهِ وَهُوَ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ لَا يَصِحُّ الْوُضُوءُ بِبَعْضِهِ، وَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ فِي مسألة:الْبِئْرِ الَّتِي تَمَعَّطَ فِيهَا شَعْرُ الْفَأْرَةِ كَمَا سَنُوَضِّحُهَا فِي مَسَائِلِ الْفَرْعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: لَوْ كَانَتْ جِرْيَةً نَجِسَةً لِمُرُورِهَا عَلَى نَجَاسَةٍ وَاقِفَةٍ أَوْ لِوُقُوعِ نَجَاسَةٍ مَائِعَةٍ فِيهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَاتَّصَلَتْ بِمَاءٍ رَاكِدٍ تَبْلُغُ بِهِ قُلَّتَيْنِ إلَّا أَنَّهَا لَمْ تَخْتَلِطْ بِهِ؛ لِكَوْنِ أَحَدِهِمَا صَافِيًا، وَالْآخَرِ كَدِرًا، حُكِمَ بِطَهَارَةِ الْجَمِيعِ بِلَا خِلَافٍ بِمُجَرَّدِ الِاتِّصَالِ، كَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا لِحَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ، قَالُوا: وَلِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِاجْتِمَاعِ الْمَاءِ الْكَثِيرِ فِي مَكَان وَاحِدٍ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ كَانَ قُلَّتَانِ صَافِيَةٌ وَكَدِرَةٌ إحْدَاهُمَا نَجِسَةٌ غَيْرُ مُتَغَيِّرَةٍ بِالنَّجَاسَةِ فَجَمَعَهُمَا وَبَقِيَ الْكَدَرُ مُتَمَيِّزًا غَيْرَ مُمْتَزِجٍ حُكِمَ بِطَهَارَةِ الْجَمِيعِ بِلَا خِلَافٍ.

فرع: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هُنَا الْقَاضِي أَبَا حَامِدٍ وَهُوَ الْمَرُّوذِيُّ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالتَّشْدِيدِ وَاسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ عَامِرِ بْنِ بِشْرٍ، وَهُوَ صَاحِبُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي طَبَقَاتِهِ: كَانَ إمَامًا لَا يُشَقُّ غُبَارُهُ، نَزَلَ الْبَصْرَةَ وَدَرَسَ بِهَا وَعَنْهُ أَخَذَ فُقَهَاؤُهَا، وَصَنَّفَ الْجَامِعَ فِي الْمَذْهَبِ وَشَرَحَ مُخْتَصَرَ الْمُزَنِيِّ وَصَنَّفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، تُوُفِّيَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَثَلَثِمِائَةٍ رحمه الله.

فرع: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ: أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي يُصَبُّ عَلَى نَجَاسَةٍ مِنْ إبْرِيقٍ لَا يَنْجَسُ، وَمُرَادُهُ: الَّذِي يَتَّصِلُ طَرَفُهُ بِالنَّجَاسَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْمَاءُ مُتَّصِلًا مِنْ الْإِبْرِيقِ إلَى النَّجَاسَةِ، وَإِنَّمَا لَا يَنْجَسُ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت