فهرس الكتاب

الصفحة 2021 من 4102

ج / 6 ص -6- بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ:"لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ"وَهُوَ فِي"الصَّحِيحَيْنِ"، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ، وَبِمَا جَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا زَكَاةَ فِي الْعُرُوضِ.

وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ، وَعَنْ سَمُرَةَ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ."فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنْ الَّذِي يُعَدُّ لِلْبَيْعِ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي أَوَّلِ كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَفِي إسْنَادِهِ جَمَاعَةٌ لَا أَعْرِفُ حَالَهُمْ، وَلَكِنْ لَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مَا لَمْ يُضَعِّفْهُ فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَهُ.

وَعَنْ حِمَاسٍ - بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَآخِرُهُ سِينٌ مُهْمَلَةٌ - وَكَانَ يَبِيعُ الْأُدُمَ قَالَ:"قَالَ لِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا حِمَاسُ أَدِّ زَكَاةَ مَالِكَ، فَقُلْتُ: مَا لِي مَالٌ، إنَّمَا أَبِيعُ الْأُدُمَ. قَالَ: قَوِّمْهُ ثُمَّ أَدِّ زَكَاتَهُ، فَفَعَلْتُ"رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْحَافِظُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ:"لَيْسَ فِي الْعُرُوضِ زَكَاةٌ إلَّا مَا كَانَ لِلتِّجَارَةِ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ.

وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ:"لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ"فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَيْسَ لِلتِّجَارَةِ، وَمَعْنَاهُ لَا زَكَاةَ فِي عَيْنِهِ بِخِلَافِ الْأَنْعَامِ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ مُتَعَيَّنٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَهُوَ ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ ضَعَّفَهُ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مَحْمُولًا عَلَى عَرَضٍ لَيْسَ لِلتِّجَارَةِ لِيُجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ السَّالِفَةِ. وَلِمَا رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ مِنْ وُجُوبِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ كَمَا سَبَقَ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَلَا يَصِيرُ الْعَرَضُ لِلتِّجَارَةِ إلَّا بِشَرْطَيْنِ أَحَدِهِمَا: أَنْ يَمْلِكَهُ بِعَقْدٍ [يَجِبُ] فِيهِ عِوَضٌ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ، والثاني: أَنْ يَنْوِيَ عِنْدَ الْعَقْدِ أَنَّهُ تَمَلَّكَهُ لِلتِّجَارَةِ، وَأَمَّا إذَا مَلَكَهُ بِإِرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ هِبَةٍ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الثَّوَابِ فَلَا تَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ بِالنِّيَّةِ، وَإِنْ مَلَكَهُ بِالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَلَمْ يَنْوِ عِنْدَ الْعَقْدِ أَنَّهُ لِلتِّجَارَةِ لَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ، وَقَالَ الْكَرَابِيسِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا: إذَا مَلَكَ عَرَضًا ثُمَّ نَوَى أَنَّهُ لِلتِّجَارَةِ صَارَ لِلتِّجَارَةِ، كَمَا إذَا كَانَ عِنْدَهُ مَتَاعٌ لِلتِّجَارَةِ ثُمَّ نَوَى الْقُنْيَةَ صَارَ لِلْقُنْيَةِ بِالنِّيَّةِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ لِلزَّكَاةِ مِنْ أَصْلِهِ لَمْ يَصِرْ لِلزَّكَاةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كَالْمَعْلُوفَةِ إذَا نَوَى إسَامَتَهَا، وَيُفَارَقُ إذَا نَوَى الْقُنْيَةَ بِمَالِ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ الْقُنْيَةَ هِيَ الْإِمْسَاكُ بِنِيَّةِ الْقُنْيَةِ، وَقَدْ وُجِدَ الْإِمْسَاكُ وَالنِّيَّةُ، وَالتِّجَارَةُ هِيَ التَّصَرُّفُ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ، وَقَدْ وُجِدَتْ النِّيَّةُ وَلَمْ يُوجَدْ التَّصَرُّفُ، فَلَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ".

الشرح: قَوْلُهُ: مِنْ أَصْلِهِ، احْتِرَازٌ مِنْ حُلِيِّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إذَا قُلْنَا: لَا زَكَاةَ فِيهِ، فَنَوَى اسْتِعْمَالَهُ فِي حَرَامٍ أَوْ نَوَى كَنْزَهُ وَاقْتِنَاءَهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ كَمَا سَبَقَ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ الزَّكَاةُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: مَالُ التِّجَارَةِ هُوَ كُلُّ مَا قُصِدَ الِاتِّجَارُ فِيهِ عِنْدَ تَمَلُّكِهِ بِمُعَاوَضَةٍ مَحْضَةٍ، وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الْقُيُودِ أَنَّ مُجَرَّدَ نِيَّةِ التِّجَارَةِ لَا يَصِيرُ بِهِ الْمَالُ لِلتِّجَارَةِ، فَلَوْ كَانَ لَهُ عَرَضُ قُنْيَةٍ مَلَكَهُ بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ فَجَعَلَهُ لِلتِّجَارَةِ لَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ الْكَرَابِيسِيُّ: يَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَ الْوَجْهَيْنِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت