فهرس الكتاب

الصفحة 2136 من 4102

ج / 6 ص -118- الصِّنْفَانِ الْأَوَّلَانِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلَى الْآخَرَيْنِ أَيْضًا وَبِهِ أَفْتَى الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِهِ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ. هَذَا آخِرُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ وَهَذَا الَّذِي صَحَّحَهُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ الصَّرْفُ إلَى الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُعْرَفُ كَوْنُهُ مُؤَلَّفًا؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ صَاحِبَ الشَّامِلِ وَغَيْرَهُ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ قَطَعُوا بِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَنَّهُ مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَظْهَرُ، وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْقَاصِّ فِي كِتَابِهِ التَّلْخِيصِ، وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ الْخُرَاسَانِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ، أَنَّهُ إنْ قَالَ: نِيَّتِي فِي الْإِسْلَامِ ضَعِيفَةٌ قُبِلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ يُصَدِّقُهُ، وَإِنْ قَالَ: أَنَا شَرِيفٌ مُطَاعٌ فِي قَوْمِي لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ هَذَا التَّفْصِيلَ عَنْ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ، قَالَ: وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ أَطْلَقَ مُطَالَبَتَهُ بِالْبَيِّنَةِ، وَفِي صِفَةِ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ كَلَامٌ نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَصْلِ سَهْمِ الْمُكَاتَبِ، وَهَلْ تَكُونُ الْمَرْأَةُ مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ؟ أَمْ لَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ سَبَقَ بَيَانُهُمَا فِي فَصْلِ سَهْمِ الْفَقِيرِ (الصَّحِيحُ) أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله:"وَسَهْمٌ لِلرِّقَابِ وَهُمْ الْمُكَاتَبُونَ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمُكَاتَبِ مَا يُؤَدِّي فِي الْكِتَابَةِ وَقَدْ حَلَّ عَلَيْهِ نَجْمٌ أُعْطِيَ مَا يُؤَدِّيهِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَا يُؤَدِّيهِ لَمْ يُعْطَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ وَلَا حَلَّ عَلَيْهِ نَجْمٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أحدهما: لَا يُعْطَى؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ [بِهِ] إلَيْهِ قَبْلَ حُلُولِ النَّجْمِ. والثاني: يُعْطَى؛ لِأَنَّهُ يَحِلُّ عَلَيْهِ النَّجْمُ، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ مَا يُؤَدِّي، فَإِنْ دُفِعَ إلَيْهِ ثُمَّ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ الْمَالِ أَوْ عَجَّزَ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ الْمَالَ إلَى الْمَوْلَى. رَجَعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ دُفِعَ إلَيْهِ لِيَصْرِفَهُ فِي دَيْنِهِ وَلَمْ يَفْعَلْ، فَإِنْ سَلَّمَهُ إلَى الْمَوْلَى وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ فَعَجَّزَهُ الْمَوْلَى فَفِيهِ وَجْهَانِ: أحدهما: لَا يَسْتَرْجِعُ مِنْ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ صَرَفَهُ1 فِيمَا عَلَيْهِ. والثاني: يَسْتَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا دُفِعَ إلَيْهِ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إلَى الْعِتْقِ وَلَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ، وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ مُكَاتَبٌ لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمَوْلَى فَفِيهِ وَجْهَانِ: أحدهما: يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ. والثاني: لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا وَاطَأَهُ حَتَّى يَأْخُذَ الزَّكَاةَ".

الشرح: فِي الْفَصْلِ مَسَائِلُ:

أَحَدهَا: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: يُصْرَفُ سَهْمُ الرِّقَابِ إلَى الْمُكَاتَبِينَ. هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ. كَذَا نَقَلَهُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكَبِيرِ وَالْمُتَوَلِّي. وَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالزُّهْرِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْمُرَادُ بِالرِّقَابِ أَنْ يُشْتَرَى بِسَهْمِهِمْ عَبِيدٌ وَيُعْتَقُونَ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَهُوَ أَحَدُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَفِي الرِّقَابِ} [البقرة: من الآية177] كَقَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: من الآية60] وَهُنَاكَ يَجِبُ الدَّفْعُ إلَى الْمُجَاهِدِينَ، فَكَذَا يَجِبُ هُنَا الدَّفْعُ إلَى الرِّقَابِ، وَلَا يَكُونُ دَفْعًا إلَيْهِمْ إلَّا عَلَى مَذْهَبِنَا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 في ش و ق (لأنه صدقه فيما عليه) والصواب ما أثبتناه (ط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت