فهرس الكتاب

الصفحة 2278 من 4102

ج / 6 ص -258- شَتَمَهُ مُتَعَرِّضًا لِمُشَاتَمَتِهِ، وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: فَلْيَقُلْ:"إنِّي صَائِمٌ"ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ فِيهِ تَأْوِيلَيْنِ إحداهما: يَقُولُ بِلِسَانِهِ وَيُسْمِعُهُ لِصَاحِبِهِ لِيَزْجُرَهُ عَنْ نَفْسِهِ والثاني: وَبِهِ جَزَمَ الْمُتَوَلِّي بِقَوْلِهِ: فِي قَلْبِهِ لَا بِلِسَانِهِ، بَلْ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِذَلِكَ وَيُذَكِّرُهَا أَنَّهُ صَائِمٌ لَا يَلِيقُ بِهِ الْجَهْلُ وَالْمُشَاتَمَةُ وَالْخَوْضُ مَعَ الْخَائِضِينَ، قَالَ هَذَا الْقَائِلُ؛ لِأَنَّهُ يَخَافُ عَلَيْهِ الرِّيَاءَ إذَا تَلَفَّظَ بِهِ، وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ يَقْصِدُ زَجْرَهُ لَا لِلرِّيَاءِ، وَالتَّأْوِيلَانِ حَسَنَانِ وَالْأَوَّلُ أَقْوَى، وَلَوْ جَمَعَهُمَا كَانَ حَسَنًا، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ:"يَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يُنَزِّهَ صَوْمَهُ عَنْ الْغِيبَةِ وَالشَّتْمِ"مَعْنَاهُ يَتَأَكَّدُ التَّنَزُّهُ عَنْ ذَلِكَ فِي حَقِّ الصَّائِمِ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ لِلْحَدِيثِ، وَإِلَّا فَغَيْرُ الصَّائِمِ يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ أَيْضًا وَيُؤْمَرُ بِهِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَالتَّنَزُّهُ التَّبَاعُدُ، فَلَوْ اغْتَابَ فِي صَوْمِهِ عَصَى وَلَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ عِنْدَنَا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَالْعُلَمَاءُ كَافَّةً إلَّا الْأَوْزَاعِيَّ فَقَالَ: يَبْطُلُ الصَّوْمُ بِالْغِيبَةِ وَيَجِبُ قَضَاؤُهُ.

وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ وَبِحَدِيثِهِ أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إلَّا السَّهَرُ"رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِمَا، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ قَالَ: وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ. وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لَيْسَ الصِّيَامُ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَقَطْ، الصِّيَامُ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ"رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ: هُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَبِالْحَدِيثِ الْآخَرِ"خَمْسٌ يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ: الْغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ وَالْكَذِبُ وَالْقُبْلَةُ وَالْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ"وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ سِوَى الْأَخِيرِ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ كَمَالَ الصَّوْمِ وَفَضِيلَتَهُ الْمَطْلُوبَةَ إنَّمَا يَكُونُ بِصِيَانَتِهِ عَنْ اللَّغْوِ وَالْكَلَامِ الرَّدِيءِ لَا أَنَّ الصَّوْمَ يَبْطُلُ بِهِ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْأَخِيرُ، خَمْسٌ1 يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ"فَحَدِيثٌ بَاطِلٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَأَجَابَ عَنْهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّ الْمُرَادَ بُطْلَانُ الثَّوَابِ لَا نَفْسَ الصَّوْمِ."

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى وَيُكْرَهُ الْوِصَالُ فِي الصَّوْمِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ قَالُوا: إنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إنِّي أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي"وَهَلْ هُوَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ؟ أَوْ هُوَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أحدهما: أَنَّهُ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. والثاني: أَنَّهُ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْهُ حَتَّى لَا يُضْعِفَ عَنْ الصَّوْمِ، وَذَلِكَ أَمْرٌ غَيْرُ مُحَقَّقٍ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ إثْمٌ، فَإِنْ وَاصَلَ لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَرْجِعُ إلَى الصَّوْمِ فَلَا يُوجِبُ بُطْلَانَهُ"."

الشرح: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَالْوِصَالُ بِكَسْرِ الْوَاوِ، وَيُطْعِمُنِي بِضَمِّ الْيَاءِ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 أورده ابن الجوزي في"الموضوعات"بلفظ"خمس يفطرن الصائم وينقضن الوضوء ...الخ"من حديث أنس وفيه عتبة بن سعود وثلاثة آخرون مجروحون ، ورواه أبو الفتح الأزدي في"الضعفاء"في ترجمة محمد بن الحجاج الحمصي وأعله به وقال: لا يكتب حديثه. وقال ابن أبي حاتم في"العلل": سألت أبي عن هذا الحديث فقال: هذا حديث كذب واقتصر تقي الدين السبكي في شرحه على"المنهاج"على تضعيفه مع بدو ملامح الوضع عليه. والله أعلم (ط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت