فهرس الكتاب

الصفحة 2284 من 4102

ج / 6 ص -264- أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَفِيهِ مَسَائِلُ:

إحداها: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُفْطِرَ عَلَى تَمْرٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى الْمَاءِ وَلَا يُخَلِّلُ بَيْنَهُمَا هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ. وَنُصَّ عَلَيْهِ فِي حَرْمَلَةَ، وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ سَلْمَانَ السَّابِقُ. وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ:"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رُطَبَاتٌ فَتُمَيْرَاتٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تُمَيْرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ يُفْطِرُ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى حَلَاوَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى الْمَاءِ وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: الْأَوْلَى فِي زَمَانِنَا أَنْ يُفْطِرَ عَلَى مَا يَأْخُذُهُ بِكَفِّهِ مِنْ النَّهْرِ لِيَكُونَ أَبْعَدَ عَنْ الشُّبْهَةِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ شَاذٌّ، وَالصَّوَابُ مَا سَبَقَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَدَّمَ التَّمْرَ وَنَقَلَ مِنْهُ إلَى الْمَاءِ بِلَا وَاسِطَةٍ.

فرع: ذَكَرَ صَاحِبُ الْبَيَانِ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَشْرَبَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ وَيَمُجَّهُ، وَكَأَنَّ هَذَا شَبِيهٌ بِكَرَاهَةِ السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ فَإِنَّهُ، يُكْرَهُ لِكَوْنِهِ يُزِيلُ الْخَلُوفَ.

الثانية: قَالَ الْمُصَنِّفُ وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ عِنْدَ إفْطَارِهِ: اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ"كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إذَا أَفْطَرَ قَالَ: ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتْ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى". وَفِي كِتَابِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ دَعْوَةً مَا تُرَدُّ"كَانَ ابْنُ عَمْرٍو إذَا أَفْطَرَ يَقُولُ:"اللَّهُمَّ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ اغْفِرْ لِي".

الثالثة: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ الصَّائِمَ وَيُفَطِّرَهُ فِي وَقْتِ الْفِطْرِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِهِ لِلْحَدِيثِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى عَشَائِهِ فَطَّرَهُ عَلَى تَمْرَةٍ أَوْ شَرْبَةِ مَاءٍ أَوْ لَبَنٍ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ:"إنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ كُلُّنَا يَجِدُ مَا يُفَطِّرُ الصَّائِمَ؟ فَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يُعْطِي اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الثَّوَابَ مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا عَلَى تَمْرَةٍ أَوْ شَرْبَةِ مَاءٍ أَوْ مَزْقَةِ لَبَنٍ".

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"إذَا كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ أَيَّامٍ مِنْ رَمَضَانَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ إلَى أَنْ يَدْخُلَ رَمَضَانُ آخَرُ، فَإِنْ أَخَّرَهُ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ، وَجَبَ عَلَيْهِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمْ قَالُوا فِيمَنْ عَلَيْهِ صَوْمٌ فَلَمْ يَصُمْهُ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ:"يُطْعِمُ عَنْ الْأَوَّلِ". فَإِنْ أَخَّرَهُ سَنَتَيْنِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أحدهما: لِكُلِّ سَنَةٍ مُدٌّ؛ لِأَنَّهُ تَأْخِيرُ سَنَةٍ فَأَشْبَهَتْ السَّنَةَ الْأُولَى. الثاني: لَا يَجِبُ لِلثَّانِيَةِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ مُؤَقَّتٌ بِمَا بَيْنَ رَمَضَانَيْنِ، فَإِذَا أَخَّرَهُ عَنْ السَّنَةِ الْأُولَى فَقَدْ أَخَّرَهُ، عَنْ وَقْتِهِ فَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ فِيمَا بَيْنَ السَّنَةِ الْأُولَى فَلَمْ يَجِبْ بِالتَّأْخِيرِ كَفَّارَةٌ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مُتَتَابِعًا لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمٌ مِنْ رَمَضَانَ فَلْيَسْرُدْهُ وَلَا يَقْطَعْهُ"وَلِأَنَّ فِيهِ مُبَادَرَةً إلَى أَدَاءِ الْفَرْضِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَشْبَهَ بِالْأَدَاءِ فَإِنْ قَضَاهُ مُتَفَرِّقًا جَازَ؛ لقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: من الآية184] وَلِأَنَّ التَّتَابُعَ وَجَبَ لِأَجْلِ الْوَقْتِ فَسَقَطَ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ فَصَامَ وَنَوَى بِهِ الْيَوْمَ الثَّانِيَ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُجْزِئَهُ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت