ج / 6 ص -309- قَالَ الْخَطِيبُ: لَيْسَ بِهَذَا الْمُخَالِفُ مِنْ الْغَبَاوَةِ مَا يَنْتَهِي إلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ لَكِنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ أَمْرًا أَلْجَأَهُ إلَيْهَا، وَكَيْفَ اسْتَجَازَ أَنْ يَقُولَ: يَوْمُ الشَّكِّ أَحَدُ طَرَفَيْ الشَّهْرِ مَعَ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ لَا يَلْزَمُهُ وَلَا يَسْلَمُ لَهُ؟ فَإِنْ قَالَ: بَنَيْتُهُ عَلَى أَصْلٍ، قِيلَ لَهُ: وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ فَيَجِبُ اطِّرَاحُهُ، وَيُقَالُ لَهُ: إنْ قُلْتَ: يَوْمُ الشَّكِّ أَحَدُ طَرَفَيْ رَمَضَانَ فَأْتِ بِحُجَّةٍ عَلَى ذَلِكَ وَهَيْهَاتَ السَّبِيلُ إلَى ذَلِكَ، وَإِنْ قُلْتَ: الشَّكُّ أَحَدُ طَرَفَيْ شَعْبَانَ، قِيلَ: أَصَبْتَ، وَلَا يَجِبُ صَوْمُ شَعْبَانَ، (ثُمَّ يُقَالُ) الْأَصْلُ بَقَاءُ شَعْبَانَ فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ.
قَالَ الْخَطِيبُ: قَالَ الْمُخَالِفُ: وَلَا يَمْتَنِعُ تَرْكُ الْأَصْلِ لِلِاحْتِيَاطِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ، وَكَمَا لَوْ شَكَّ مَاسِحُ الْخُفِّ فِي انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ فَلَا يَمْسَحُ، وَلَوْ شَكَّتْ الْمُسْتَحَاضَةُ فِي انْقِطَاعِ الْحَيْضِ تَلْزَمُهَا الصَّلَاةُ، قَالَ الْخَطِيبُ: أَمَّا مَسْأَلَةُ الصَّلَاةِ فَسَبَقَ جَوَابُهَا وأما: مَاسِحُ الْخُفِّ فَشَرْطُ مَسْحِهِ بَقَاءُ الْمُدَّةِ فَإِذَا شَكَّ فِيهَا رَجَعَ إلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ وأما: الْمُسْتَحَاضَةُ فَسَقَطَتْ عَنْهَا الصَّلَاةُ بِسَبَبِ الْحَيْضِ، فَإِذَا شَكَّتْ فِيهِ رَجَعَتْ إلَى الْأَصْلِ، وَمُقْتَضَى هَذَا فِي مَسْأَلَتِنَا أَنْ لَا يَجِبَ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ شَعْبَانَ، هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْخَطِيبِ رحمه الله تعالى.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَيُكْرَهُ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَحْدَهُ، فَإِنْ وَصَلَهُ بِيَوْمٍ قَبْلَهُ أَوْ بِيَوْمٍ بَعْدَهُ لَمْ يُكْرَهْ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَّا أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ أَوْ يَصُومَ بَعْدَهُ"."
الشرح: هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَحَادِيثُ أُخَرُ، مِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ:"سَأَلْتُ جَابِرًا أَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ اللَّيَالِيِ، وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنَ سَائِرِ الْأَيَّامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ، فَقَالَ: أَصُمْتِ أَمْسِ؟ قَالَتْ: لَا، قَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا؟ قَالَتْ: لَا، قَالَ: فَأَفْطِرِي"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ مِنْ غُرَّةِ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَلَّمَا كَانَ يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ"رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ:"حَدِيثٌ حَسَنٌ، قَالَ أَصْحَابُنَا: يُكْرَهُ إفْرَادُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ فَإِنْ وَصَلَهُ بِصَوْمٍ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ وَافَقَ عَادَةً لَهُ بِأَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ شِفَاءِ مَرِيضِهِ، أَوْ قُدُومِ زَيْدٍ أَبَدًا، فَوَافَقَ الْجُمُعَةَ لَمْ يُكْرَهْ"لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ مِمَّا سَبَقَ، هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ كَرَاهَةِ إفْرَادِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ: رَوَى الْمُزَنِيّ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا أَسْتَحِبُّ صَوْمَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِمَنْ كَانَ إذَا صَامَهُ مَنَعَهُ مِنْ الصَّلَاةِ مَا لَوْ كَانَ مُفْطِرًا فَعَلَهُ، هَذَا نَقْلُ