فهرس الكتاب

الصفحة 2379 من 4102

ج / 6 ص -358- ذَكَرَ التَّفْصِيلَ غَيْرُ الْمُصَنِّفِ كَمَا سَبَقَ، وَأَمَّا الْأَكْثَرُونَ فَكَلَامُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا ثَبَتَ بِإِقْرَارٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: إذَا نَذَرَ اعْتِكَافًا ثُمَّ دَخَلَ مَسْجِدًا فَاعْتَكَفَ فِيهِ ثُمَّ انْهَدَمَ الْمَسْجِدُ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُقِيمَ فِيهِ أَقَامَ حَتَّى يُتِمَّ اعْتِكَافَهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ خَرَجَ، فَإِذَا بُنِيَ الْمَسْجِدُ عَادَ وَتَمَّمَ اعْتِكَافَهُ، هَذَا نَصُّهُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ بَقِيَ مَوْضِعٌ يُمْكِنُ الْإِقَامَةُ فِيهِ أَقَامَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ إنْ كَانَ اعْتِكَافًا مَنْذُورًا، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ مَوْضِعٌ تُمْكِنُ الْإِقَامَةُ فِيهِ خَرَجَ فَأَتَمَّ اعْتِكَافَهُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ بِالْخُرُوجِ؛ لِأَنَّهُ لِحَاجَةٍ.

قَالَ أَصْحَابُنَا: وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: فَإِذَا بُنِيَ الْمَسْجِدُ عَادَ وَتَمَّمَ اعْتِكَافَهُ، فَلَهُ تَأْوِيلَانِ1 أحدهما: أَنَّهُ عَيَّنَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَوْ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ وَالْأَقْصَى، وَقُلْنَا: يَتَعَيَّنُ. والثاني: مُرَادُهُ إذَا نَذَرَ اعْتِكَافًا غَيْرَ مُتَتَابِعٍ وَلَا مُتَعَلِّقٍ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ، فَإِذَا انْهَدَمَ فَلَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ انْتَظَرَ بِنَاءَهُ، وَإِنْ شَاءَ اعْتَكَفَ فِي غَيْرِهِ. والثالث: مُرَادُهُ إذَا كَانَ فِي قَرْيَةٍ لَيْسَ فِيهَا إلَّا مَسْجِدٌ وَاحِدٌ وَانْهَدَمَ. وَالرَّابِعُ: حَكَاهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ أَنَّهُ قَالَهُ لِلِاسْتِحْبَابِ، لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي نَذَرَ فِيهِ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِنْ خَرَجَ لِعُذْرٍ ثُمَّ زَالَ الْعُذْرُ وَتَمَكَّنَ مِنْ الْعَوْدِ فَلَمْ يَعُدْ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الِاعْتِكَافَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَأَشْبَهَ إذَا خَرَجَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ".

الشرح: قَالَ أَصْحَابُنَا: حَيْثُ خَرَجَ لِعُذْرٍ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ، ثُمَّ قَضَى شُغْلَهُ وَزَالَ عُذْرُهُ لَزِمَهُ الْمُبَادَرَةُ بِالرُّجُوعِ إلَى الْمَسْجِدِ عِنْدَ فَرَاغِهِ إنْ كَانَ نَذْرُهُ مُتَتَابِعًا، فَإِنْ أَخَّرَ الرُّجُوعَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهَلْ يَجِبُ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ إذَا عَادَ؟ فِيهِ كَلَامٌ سَنَذْكُرُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ سَبَقَ بَعْضُهُ فِي فَصْلِ النِّيَّةِ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَلَا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ الْمُبَاشَرَةُ بِشَهْوَةٍ؛ لقوله تعالى: {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: من الآية187] فَإِنْ جَامَعَ فِي الْفَرْجِ ذَاكِرًا لِلِاعْتِكَافِ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، فَسَدَ اعْتِكَافُهُ، لِأَنَّهُ أَحَدُ مَا يُنَافِي الِاعْتِكَافَ فَأَشْبَهَ الْخُرُوجَ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَإِنْ بَاشَرَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ بِشَهْوَةٍ أَوْ قَبَّلَ بِشَهْوَةٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ، قَالَ فِي الْإِمْلَاءِ: يَبْطُلُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ مُبَاشَرَةٌ مُحَرَّمَةٌ فِي الِاعْتِكَافِ، فَبَطَلَ بِهَا كَالْجِمَاعِ. وَقَالَ فِي الْأُمِّ: لَا يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهَا مُبَاشَرَةٌ لَا تُبْطِلُ الْحَجَّ. فَلَمْ تُبْطِلْ الِاعْتِكَافَ كَالْمُبَاشَرَةِ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّهُ إنْ أَنْزَلَ بَطَلَ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ لَمْ يَبْطُلْ كَالْقُبْلَةِ فِي الصَّوْمِ كَانَ مَذْهَبًا، وَهَذَا قَوْلٌ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَيُخَالِفُ الصَّوْمَ فَإِنَّ الْقُبْلَةَ فِيهِ لَا تَحْرُمُ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَمْ يَبْطُلْ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْقُبْلَةُ فِي الِاعْتِكَافِ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَأَبْطَلَتْهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَيَجُوزُ أَنْ يُبَاشِرَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 كذا في ش و ق ولعل الصواب: تأويلات (أحدها) لشمول قول الشافعي على أربعة تأويلات للأصحاب فليحرر (ط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت