ج / 7 ص -136- فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ:
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ إذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ فَأَحْرَمَ دُونَهُ أَثِمَ فَإِنْ عَادَ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالنُّسُكِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ، سَوَاءٌ عَادَ مُلَبِّيًا أَمْ غَيْرَ مُلَبٍّ. هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَزُفَرُ وَأَحْمَدُ: لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ بِالْعَوْدِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ عَادَ مُلَبِّيًا سَقَطَ الدَّمُ وَإِلَّا فَلَا وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَى الْمُجَاوِزِ مُطْلَقًا، قَالَ: وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ عَطَاءٍ. وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: يَقْضِي حَجَّتَهُ ثُمَّ يَعُودُ إلَى الْمِيقَاتِ فَيُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ لَا حَجَّ لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ صاحب"البيان": سَمِعْتُ الشَّرِيفَ الْعُثْمَانِيَّ مِنْ أَصْحَابِنَا يَقُولُ: إذَا جَاوَزَ الْمَدَنِيُّ ذَا الْحُلَيْفَةِ غَيْرَ مُحْرِمٍ وَهُوَ مُرِيدٌ لِلنُّسُكِ، فَبَلَغَ مَكَّةَ غَيْرَ مُحْرِمٍ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إلَى مِيقَاتِ بَلَدٍ آخَرَ كَذَاتِ عِرْقٍ أَوْ يَلَمْلَمَ وَأَحْرَمَ مِنْهُ. فَلَا دَمَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ مُجَاوَزَةِ ذِي الْحُلَيْفَةِ، لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِإِرَادَتِهِ النُّسُكَ لَمَّا بَلَغَ مَكَّةَ غَيْرَ مُحْرِمٍ" فَصَارَ كَمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ غَيْرَ مُحْرِمٍ، وَقُلْنَا: يَجِبُ الْإِحْرَامُ لِدُخُولِهَا لَا دَمَ عَلَيْهِ، هَذَا نَقْلُ صاحب"البيان"، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ وَفِيهِ نَظَرٌ."
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَإِنْ نَذَرَ الْإِحْرَامَ مِنْ مَوْضِعٍ فَوْقَ الْمِيقَاتِ لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ، فَإِنْ جَاوَزَهُ وَأَحْرَمَ دُونَهُ كَانَ كَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ وَأَحْرَمَ دُونَهُ فِي وُجُوبِ الْعَوْدِ وَالدَّمِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ الْإِحْرَامُ مِنْهُ كَمَا وَجَبَ [الْإِحْرَامُ] مِنْ الْمِيقَاتِ، فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمِيقَاتِ، وَإِنْ مَرَّ كَافِرٌ بِالْمِيقَاتِ مُرِيدًا لِلْحَجِّ فَأَسْلَمَ دُونَهُ وَأَحْرَمَ وَلَمْ يَعُدْ إلَى الْمِيقَاتِ لَزِمَهُ الدَّمُ، وَقَالَ الْمُزَنِيّ: لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ مَرَّ بِالْمِيقَاتِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ النُّسُكِ فَأَشْبَهَ إذَا مَرَّ بِهِ غَيْرَ مُرِيدٍ لِلنُّسُكِ، ثُمَّ أَسْلَمَ دُونَهُ وَأَحْرَمَ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ وَهُوَ مُرِيدٌ لِلنُّسُكِ فَلَزِمَهُ الدَّمُ كَالْمُسْلِمِ. وَإِنْ مَرَّ بِالْمِيقَاتِ صَبِيٌّ وَهُوَ مُحْرِمٌ، أَوْ عَبْدٌ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَبَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أحدهما: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْإِحْرَامَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ، والثاني لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ كَالْحُرِّ الْبَالِغِ.
الشرح: أما: مَسْأَلَةُ النَّذْرِ فَهِيَ كَمَا قَالَهَا الْمُصَنِّفُ، وأما: مَسْأَلَةُ الْكَافِرِ وَمَسْأَلَةُ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ فَقَدْ سَبَقَتَا وَاضِحَتَيْنِ بِفُرُوعِهِمَا فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْحَجِّ عِنْدَ إحْرَامِ الصَّبِيِّ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَخَرَجَ لِإِحْرَامِ الْحَجِّ إلَى أَدْنَى الْحِلِّ وَأَحْرَمَ، فَإِنْ رَجَعَ إلَى مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ لَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى وَقَفَ وَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ، لِأَنَّهُ تَرَكَ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْمَكِّيِّ إذَا أَحْرَمَ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى خَارِجِ الْبَلَدِ وَأَحْرَمَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْحَرَمِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أحدهما: لَا يَلْزَمُهُ الدَّمُ؛ لِأَنَّ مَكَّةَ وَالْحَرَمَ فِي الْحُرْمَةِ سَوَاءٌ، والثاني يَلْزَمُهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ الْمِيقَاتَ هُوَ الْبَلَدُ، وَقَدْ تَرَكَهُ فَلَزِمَهُ الدَّمُ، وَإِنْ أَرَادَ الْعُمْرَةَ فَأَحْرَمَ مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ نَظَرْتَ، فَإِنْ خَرَجَ إلَى أَدْنَى الْحِلِّ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ لَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ الْحَرَمَ مُحْرِمًا فَأَشْبَهَ إذَا أَحْرَمَ أَوَّلًا مِنْ الْحِلِّ، وَإِنْ طَافَ وَسَعَى وَلَمْ يَخْرُجْ إلَى الْحِلِّ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أحدهما: لَا يُعْتَدُّ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ عَنْ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْحَرَمَ بِإِحْرَامٍ، فَلَمْ يُعْتَدَّ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، والثاني أَنَّهُ يُعْتَدُّ بِهِ بِالطَّوَافِ وَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِهِ"