فهرس الكتاب
ج / 7 ص -157- وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ.
قال: الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ: لَا نُفْتِيهِ بِجَوَازِ الْحَلْقِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ أَوْ قَارِنٌ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْحَلْقُ قَبْلَ وَقْتِهِ، هَذَا كَلَامُ أَبِي زَيْدٍ وَبِهِ قَالَ صاحب"التقريب"وَالْقَفَّالُ وَالْمَرْوَزِيُّ وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ"التَّهْذِيبِ"عَنْ أَصْحَابِنَا مُطْلَقًا، قَالُوا: وَهَذَا كَمَا لَوْ ابْتَلَعَتْ دَجَاجَةُ إنْسَانٍ جَوْهَرَةً لِغَيْرِهِ لَا يُفْتَى صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ بِذَبْحِهَا وَأَخْذِ الْجَوْهَرَةِ، وَلَكِنْ لَوْ ذَبَحَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا التَّفَاوُتُ بَيْنَ قِيمَتِهَا مَذْبُوحَةً وَحَيَّةً، قَالُوا: وَكَذَا لَوْ تَقَابَلَتْ دَابَّتَانِ لِشَخْصَيْنِ عَلَى شَاهِقٍ وَتَعَذَّرَ مُرُورُهُمَا لَا يُفْتِي أَحَدُهُمَا بِإِهْلَاكِ دَابَّةِ الْآخَرِ، لَكِنْ لَوْ فَعَلَ وَخَلَّصَ دَابَّتَهُ لَزِمَهُ قِيمَةُ دَابَّةِ صَاحِبِهِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: نُفْتِيهِ بِمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَدَّادِ.
وَيَجُوزُ لَهُ الْحَلْقُ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَبَاحُ فِي الْحَالِ الَّذِي يَكُونُ حَرَامًا مُحَقِّقًا لِلْحَاجَةِ فَاسْتَبَاحَهُ هُنَا. وَلَا يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ مُحْرِمٌ أَوَّلًا، فَإِنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ أَيْضًا لِيَحْسِبَ لَهُ فِعْلَهُ وَإِلَّا فَتَلْغُوَهُ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْوَجْهِ ابْنُ الْحَدَّادِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ وَصاحب"الشامل"وَآخَرُونَ، وَرَجَّحَهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ الْمُخْتَارُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ رحمه الله: قَالَ: طَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ فَذَكَرَ إعَادَةَ الطَّوَافِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَ الْأَصْحَابُ وَخِلَافُ الدَّلِيلِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا الطَّوَافَ، بَلْ قَالُوا: يَسْعَى وَيَحْلِقُ فَقَطْ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَةِ الطَّوَافِ، فَإِنَّهُ قَدْ أَتَى بِهِ أَوَّلًا، وَقَدْ ذَكَرَ صاحب"البيان"فِي كِتَابَيْهِ"الْبَيَانِ"و"مُشْكِلَاتِ المهذب"مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الطَّوَافُ لَا مَعْنَى، لَهُ، فَإِنَّهُ قَدْ طَافَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَسَوَاءٌ أَفْتَيْنَاهُ بِمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَدَّادِ وَمُوَافِقُوهُ أَمْ لَا نُفْتِهِ بِهِ فَفَعَلَهُ، لَزِمَهُ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ فَقَدْ حَلَقَ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ، وَإِنْ كَانَ بِعُمْرَةٍ فَقَدْ تَمَتَّعَ، فَيُرِيقُ دَمًا عَنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، وَلَا يُعَيِّنُ الْجِهَةَ، كَمَا يُكَفِّرُ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَا يَجِدُ دَمًا وَلَا طَعَامًا صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ كَصَوْمِ التَّمَتُّعِ، فَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ دَمَ التَّمَتُّعِ فَذَاكَ، وَإِنْ كَانَ دَمَ الْحَلْقِ أَجْزَأَهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَيَقَعُ الْبَاقِي تَطَوُّعًا، وَلَا يُعَيِّنُ الْجِهَةَ فِي صَوْمِ الثَّلَاثَةِ، وَيَجُوزُ تَعْيِينُ التَّمَتُّعِ فِي صَوْمِ السَّبْعَةِ، وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى صَوْمِ ثَلَاثَةٍ هَلْ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ؟ قَالَ الرَّافِعِيُّ: مُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ أَنَّهُ لَا تَبْرَأُ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: يَحْتَمِلُ أَنْ تَبْرَأَ، وَعَبَّرَ الْغَزَالِيُّ فِي"الوسيط"عَنْ هَذَيْنِ بِوَجْهَيْنِ، وَيُجْزِئُهُ الصَّوْمُ مَعَ وُجُودِ الْإِطْعَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلطَّعَامِ فِي التَّمَتُّعِ وَفِدْيَةُ الْحَلْقِ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَلَوْ أَطْعَمَ هَلْ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ؟ فِيهِ كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ وَالْإِمَامِ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا اسْتَجْمَعَ الرَّجُلُ شُرُوطَ وُجُوبِ دَمِ التَّمَتُّعِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَجْمِعْهَا كَالْمَكِّيِّ لَمْ يَجِبْ الدَّمُ؛ لِأَنَّ دَمَ التَّمَتُّعِ مَقْصُودٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ وُجُوبِ دَمِ الْحَلْقِ، وَإِذَا جُوِّزَ أَنْ يَكُونَ إحْرَامُهُ أَوَّلًا بِالْقِرَانِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ آخَرُ مَعَ الدَّمِ الَّذِي وَصَفْنَاهُ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ الصحيح: لَا يَلْزَمُهُ.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَعْرِضَ الشَّكُّ بَعْدَ الطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ فَإِنْ أَتَى بِبَقِيَّةِ أَعْمَالِ الْحَجِّ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ حَجٌّ وَلَا عُمْرَةٌ، أما: الْحَجُّ فَلِجَوَازِ أَنَّهُ كَانَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ فَلَا يَنْفَعُهُ الْوُقُوفُ، وأما: الْعُمْرَةُ فَلِجَوَازِ أَنَّهُ كَانَ