فهرس الكتاب
ج / 7 ص -163- وَلَا تُسْتَحَبُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُسْتَحَبُّ إذَا رَأَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ أَنْ يَقُولَ: لَبَّيْكَ إنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ وَيُسْتَحَبُّ إذَا فَرَغَ مِنْ التَّلْبِيَةِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تعالى رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ وَيَسْتَعِيذَ بِهِ مِنْ النَّارِ ثُمَّ يَدْعُو بِمَا أَحَبَّ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِي أَثْنَاءِ تَلْبِيَتِهِ بِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ أَوْ غَيْرِهِمَا لَكِنْ لَوْ سُلِّمَ عَلَيْهِ رَدَّ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ في"الإملاء"وَتَابَعَهُ الْأَصْحَابُ وَيُكْرَهُ التَّسْلِيمُ عَلَيْهِ فِي حَالِ تَلْبِيَتِهِ وَمَنْ لَا يُحْسِنُ التَّلْبِيَةَ بِالْعَرَبِيَّةِ يُلَبِّي بِلِسَانِهِ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَغَيْرِهَا وَإِنْ أَحْسَنَ الْعَرَبِيَّةَ أَتَى بِهَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: إذَا لَمْ يُحْسِنْ التَّلْبِيَةَ أُمِرَ بِالتَّعْلِيمِ وَفِي مُدَّةِ التَّعْلِيمِ يُلَبِّي بِلِسَانِ قَوْمِهِ وَهَلْ يَجُوزُ بِلُغَةٍ أُخْرَى مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّلْبِيَةِ؟ حُكْمُهُ حُكْمُ التَّسْبِيحَاتِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي"تعليقه": تُكْرَهُ التَّلْبِيَةُ فِي مَوَاضِعِ النَّجَاسَاتِ.
فرع: قَالَ صاحب"الحاوي": قَالَ الشَّافِعِيُّ في"الأم": وَإِذَا لَبَّى فَأَسْتَحِبُّ أَنْ يُلَبِّيَ ثَلَاثًا قَالَ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أحدها: أَنْ يُكَرِّرَ قَوْلَهُ: لَبَّيْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، والثاني يُكَرِّرُ قَوْلَهُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، والثالث: يُكَرِّرُ جَمِيعَ التَّلْبِيَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ هَذَا كَلَامُهُ وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الصَّحِيحُ أَوْ الصَّوَابُ وَالْأَوَّلَانِ فَاسِدَانِ؛ لِأَنَّ فِيهِمَا تَغْيِيرًا لِلَّفْظِ التَّلْبِيَةِ الْمَشْرُوعَةِ.
فرع: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ التَّلْبِيَةَ مُسْتَحَبَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَشْهُورُ مِنْ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ وَقَالَ صاحب"الحاوي": حُكِيَ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ التَّلْبِيَةَ فِي أَثْنَاءِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَاجِبَةٌ قَالَ: وَزَعَمَا أَنَّهُمَا وَجَدَا لِلشَّافِعِيِّ نَصًّا دَلَّ عَلَيْهِ قَالَ: وَلَيْسَ يُعْرَفُ لِلشَّافِعِيِّ فِي كُتُبِهِ نَصٌّ يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذَا كَلَامُ صاحب"الحاوي"، وَقَالَ الدَّارِمِيُّ قَالَ الطَّبَرِيُّ - يَعْنِي أَبَا عَلِيٍّ الطَّبَرِيَّ: لِلشَّافِعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، قَالَ: وَبِهِ قَالَ ابْنُ خَيْرَانَ وَالْمَذْهَبُ مَا قَدَّمْنَاهُ.
فرع: مَذْهَبُنَا اسْتِحْبَابُ التَّلْبِيَةِ فِي كُلِّ مَكَان وَفي"الأم"صَارِ وَالْبَرَارِيِّ، قَالَ الْعَبْدَرِيُّ: إظْهَارُ التَّلْبِيَةِ في"الأم"صَارِ وَمَسَاجِدِهَا لَا يُكْرَهُ وَلَيْسَ لَهَا مَوْضِعٌ تَخْتَصُّ بِهِ، قَالَ: وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ، قَالَ: وَقَالَ أَحْمَدُ: هُوَ مَسْنُونٌ فِي الصَّحَارِي، قَالَ: وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُلَبِّيَ فِي الْمِصْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَإِذَا أَحْرَمَ الرَّجُلُ حَرُمَ عَلَيْهِ حَلْقُ الرَّأْسِ لقوله تعالى: {وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] وَيَحْرُمُ حَلْقُ شَعْرِ سَائِرِ الْبَدَنِ؛ لِأَنَّهُ"حَلْقٌ"يَتَنَظَّفُ بِهِ وَيَتَرَفَّهُ بِهِ فَلَمْ يَجُزْ كَحَلْقِ الرَّأْسِ وَتَجِبُ بِهِ الْفِدْيَةُ لقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا} [البقرة: 196] وَلِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: احْلِقْ رَأْسَكَ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ أَوْ اُنْسُكْ شَاةً"وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْلِقَ شَعْرَ الْحَلَالِ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ يَعُودُ إلَى الْحَلَالِ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يُعَمِّمَهُ أَوْ يُطَيِّبَهُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ يَنْمِي وَفِي قَطْعِهِ تَرْفِيهٌ وَتَنْظِيفٌ فَمُنِعَ الْإِحْرَامُ مِنْهُ كَحَلْقِ الشَّعْرِ وَتَجِبُ بِهِ الْفِدْيَةُ قِيَاسًا عَلَى الْحَلْقِ.