فهرس الكتاب

الصفحة 2592 من 4102

ج / 7 ص -201- قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَ الصَّيْدَ أَوْ يَتَّهِبَهُ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ أَهْدَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِمَارَ وَحْشٍ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ:"إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أَنَّا حُرُمٌ"وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ يُتَمَلَّكُ بِهِ الصَّيْدُ فَلَمْ يَمْلِكْ بِهِ مَعَ الْإِحْرَامِ كَالِاصْطِيَادِ وَإِنْ مَاتَ مَنْ يَرِثَهُ وَلَهُ صَيْدٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أحدهما: لَا يَرِثُهُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْمَلَكِ فَلَا يَمْلِكُ بِهِ الصَّيْدَ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ والثاني أَنَّهُ يَرِثُهُ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ قَصْدِهِ وَيَمْلِكُ بِهِ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فَجَازَ أَنْ يَمْلِكَ بِهِ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ وَإِنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ صَيْدٌ فَأَحْرَمَ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أحدهما: لَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ فَلَا يَزُولُ بِالْإِحْرَامِ كَمِلْكِ الْبُضْعِ والثاني يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ لِأَنَّهُ مَعْنًى لَا يُرَادُ لِلْبَقَاءِ يَحْرُمُ [عَلَى الْمُحْرِمِ] ابْتِدَاؤُهُ فَحَرُمَتْ اسْتِدَامَتُهُ كَلُبْسِ الْمَخِيطِ.

فإن قلنا: لا يَزُولُ مِلْكُهُ جَازَ لَهُ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ فَإِنْ قَتَلَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ كَفَّارَةٌ تَجِبُ لِلَّهِ تعالى فَجَازَ أَنْ تَجِبَ عَلَى مَالِكِهِ كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ وإن قلنا: يَزُولُ مِلْكُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ فَإِنْ لَمْ يُرْسِلْهُ حَتَّى مَاتَ ضَمِنَهُ بِالْجَزَاءِ وَإِنْ لَمْ يُرْسِلْهُ حَتَّى تَحَلَّلَ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أحدهما: يَعُودُ إلَى مِلْكِهِ وَيَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُ الْإِرْسَالِ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ زَوَالِ الْمِلْكِ هُوَ الْإِحْرَامُ وَقَدْ زَالَ فَعَادَ الْمِلْكُ كَالْعَصِيرِ إذَا صَارَ خَمْرًا ثُمَّ صَارَ خَلًّا والثاني أَنَّهُ لَا يَعُودُ إلَى مِلْكِهِ وَيَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ؛ لِأَنَّ يَدَهُ مُتَعَدِّيَةٌ فَوَجَبَ أَنْ يُزِيلَهَا.

الشرح: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ: منها: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِلَفْظِهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ:"أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِمَارَ وَحْشٍ"وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ:"مِنْ لَحْمِ حِمَارِ وَحْشٍ"وَفِي رِوَايَةٍ:"رِجْلَ حِمَارِ وَحْشٍ"وَفِي رِوَايَةٍ:"عَجُزَ حِمَارِ وَحْشٍ يَقْطُرُ دَمًا"وَفِي رِوَايَةٍ:"شِقَّ حِمَارِ وَحْشٍ"وَفِي رِوَايَةٍ:"عُضْوًا مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ"هَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا فِي"صَحِيحِ مُسْلِمٍ"، وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ: بَابُ إذَا أَهْدَى لِلْمُحْرِمِ حِمَارًا وَحْشِيًّا حَيًّا لَمْ يَقْبَلْ ثُمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: حِمَارًا وَحْشِيًّا فَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إلَى أَنَّ هَذَا الْحِمَارَ كَانَ حَيًّا وَحَكَى هَذَا أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ اسْتِدْلَالِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَهَذَا تَأْوِيلٌ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ بِهَذِهِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ.

فَالصَّوَابُ: أَنَّهُ إنَّمَا أَهْدَى بَعْضَ لَحْمِ صَيْدٍ لِأَكْلِهِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ: حِمَارًا وَحْشِيًّا وَحِمَارَ وَحْشٍ مَجَازًا أَيْ بَعْضَ حِمَارٍ وَيَكُونُ رَدُّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ مِنْهُ أَوْ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ اصْطَادَهُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ الِاصْطِيَادَ لَهُ لَقَبِلَهُ مِنْهُ فَإِنَّ لَحْمَ الصَّيْدِ الَّذِي صَادَهُ الْحَلَالُ إنَّمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ إذَا صِيدَ لَهُ أَوْ أَعَانَ عَلَيْهِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا فإن قيل: فَإِنَّمَا عَلَّلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَدَّهُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُمْ حُرُمٌ قلنا: لَا تَمْنَعُ هَذِهِ الْعِبَارَةُ كَوْنَهُ صِيدَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْرُمُ الصَّيْدُ عَلَى الْإِنْسَانِ إذَا صِيدَ لَهُ بِشَرْطِ كَوْنِهِ مُحْرِمًا فَبَيَّنَ الشَّرْطَ الَّذِي يَحْرُمُ بِهِ وَسَأَبْسُطُ الْكَلَامَ فِي إيضَاحِ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيَانِ طُرُقِهِ وَمَا يُوَافِقُهُ وَكَلَامِ الْعُلَمَاءِ عَلَيْهِ فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ مِنْهُ إنْ شَاءَ الله تعالى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وأما قَوْلُهُ: الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ فَالصَّعْبُ - بِفَتْحِ الصَّادِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ وَجَثَّامَةُ - بِجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ ثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ مُشَدَّدَةٍ - وقوله: صلى الله عليه وسلم:"لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ"هُوَ - بِرَفْعِ الدَّالِ - عَلَى الصَّوَابِ الْمَعْرُوفِ لِأَهْلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت