فهرس الكتاب

الصفحة 2849 من 4102

ج / 8 ص -162- إلَى مِنًى ثُمَّ عَرَفَاتٍ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا عَدَلَ إلَى عَرَفَاتٍ مَخَافَةَ الْفَوَاتِ، فَإِذَا وَصَلُوا مَكَّةَ، فَمَنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْعَوْدِ زَالَتْ وِلَايَةُ وَالِي الْحَجِيجِ عَنْهُ، وَمَنْ كَانَ عَلَى عَزْمِ الْعَوْدِ فَهُوَ تَحْتَ وِلَايَتِهِ مُلْتَزِمٌ أَحْكَامَ طَاعَتِهِ فَإِذَا قَضَى النَّاسُ حَجَّهُمْ أَمْهَلَهُمْ الْأَيَّامَ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِهَا لِإِنْجَازِ حَوَائِجِهِمْ وَلَا يُعَجِّلُ عَلَيْهِمْ فِي الْخُرُوجِ، فَإِذَا رَجَعُوا سَارَ بِهِمْ إلَى مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِزِيَارَةِ قَبْرِهِ صلى الله عليه وسلم1 وَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ فُرُوضِ الْحَجِّ، فَهُوَ مِنْ مَنْدُوبَاتِ الشَّرْعِ الْمُسْتَحَبَّةِ، وَعَادَاتِ الْحَجِيجِ الْمُسْتَحْسَنَةِ، ثُمَّ يَكُونُ فِي عَوْدِهِ بِهِمْ مُلْتَزِمًا مِنْ الْحُقُوقِ لَهُمْ مَا كَانَ مُلْتَزِمًا فِي ذَهَابِهِ حَتَّى يَصِلَ الْبَلَدَ الَّذِي سَارَ بِهِمْ مِنْهُ وَتَنْقَطِعَ وِلَايَتُهُ بِالْعَوْدِ إلَيْهِ.

الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْوِلَايَةُ عَلَى إقَامَةِ الْحَجِّ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ وَإِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ، فَمِنْ شُرُوطِ هَذِهِ الْوِلَايَةِ مَعَ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي أَئِمَّةِ الصَّلَوَاتِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَنَاسِكِ الْحَجِّ وَأَحْكَامِهِ وَمَوَاقِيتِهِ وَأَيَّامِهِ، وَتَكُونُ مُدَّةُ وِلَايَتِهِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ أَوَّلُهَا مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ الْيَوْمَ السَّابِعَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَآخِرُهَا الثَّالِثُ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَهُوَ فِيمَا قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا مِنْ الرَّعِيَّةِ، ثُمَّ إنْ كَانَ مُطْلَقَ الْوِلَايَةِ عَلَى الْحَجِّ فَلَهُ إقَامَتُهُ كُلَّ سَنَةٍ مَا لَمْ يُعْزَلْ عَنْهُ، وَإِنْ عُقِدَتْ وِلَايَتُهُ سَنَةً لَمْ يَتَجَاوَزْهَا إلَّا بِوِلَايَةٍ وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بِوِلَايَتِهِ وَيَكُونُ نَظَرُهُ عَلَيْهِ مَقْصُورًا خَمْسَةَ أَحْكَامٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَسَادِسٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.

أحدها: إعْلَامُ النَّاسِ بِوَقْتِ إحْرَامِهِمْ، وَالْخُرُوجِ إلَى مَشَاعِرِهِمْ لِيَكُونُوا مَعَهُ مُقْتَدِينَ بِأَفْعَالِهِ. والثاني: تَرْتِيبُهُ الْمَنَاسِكَ عَلَى مَا اسْتَقَرَّ الشَّرْعُ عَلَيْهِ فَلَا يُقَدِّمُ مُؤَخَّرًا، وَلَا يُؤَخِّرُ مُقَدَّمًا، سَوَاءٌ كَانَ التَّقْدِيمُ مُسْتَحَبًّا أَوْ وَاجِبًا، لِأَنَّهُ مَتْبُوعٌ.

الثَّالِثُ: تَقْدِيرُ الْمَوَاقِيتِ بِمَقَامِهِ فِيهَا وَمَسِيرِهِ عَنْهَا، كَمَا تَتَقَدَّرُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ الرَّابِعُ: اتِّبَاعُهُ فِي الْأَذْكَارِ الْمَشْرُوعَةِ وَالتَّأْمِينِ عَلَى دُعَائِهِ. الْخَامِسُ: إقَامَتُهُمْ الصَّلَوَاتِ الَّتِي شُرِعَتْ خُطَبُ الْحَجِّ فِيهَا وَجَمْعُهُمْ لَهَا، وَهِيَ أَرْبَعُ خُطَبٍ سَبَقَ بَيَانُهُنَّ، أُولَاهُنَّ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ السَّابِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَهِيَ أَوَّلُ شُرُوعِهِ فِي مَنَاسِكِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، يَفْتَتِحُهَا بِالتَّلْبِيَةِ إنْ كَانَ مُحْرِمًا، وَبِالتَّكْبِيرِ إنْ كَانَ حَلَالًا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفِرَ النَّفْرَ الْأَوَّلَ، بَلْ يُقِيمُ بِمِنًى لَيْلَةَ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، يَنْفِرُ النَّفْرَ الثَّانِيَ مِنْ غَدِهِ بَعْدَ رَمْيِهِ لِأَنَّهُ مَتْبُوعٌ فَلَمْ يَنْفِرْ إلَّا بَعْدَ إكْمَالِ الْمَنَاسِكِ، فَإِذَا نَفَر النَّفْرَ الثَّانِي انْقَضَتْ وِلَايَتُهُ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 لابن تيمية وأصحابه رأي في القبر وزيارة المسجد وهو فرق يتحرى به ابن تيمية ألا يكون شد الرحال لعين القبر وإنما للمسجد وإذا بلغه استحب له زيارة قبره صلى الله عليه وسلم بصورة حكاها صاحب"الصارم المنكي"ابن عبد الهادي الحنبلي لا تخرج عما أورده إمامنا النووي رضي الله عنه وقد رد الإمام الحافظ علي بن عبد الكافي السبكي صاحب"التكملة"الأولى لهذا الكتاب على ابن تيمية اعتباره زيارة القبر مع السفر إليه معصية لا تقصر فيه الصلاة وذلك بكتابه شفاء السقام في زيارة خير الأنام، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا والمسجد الأقصى) فقوله صلى الله عليه وسلم (ومسجدي) بإضافة المسجد إلى ذاته الشريفة تفيد استمداد شرفه من هذه النسبة وإلا لقال: وهذا المسجد، ولا شك أنه لا يشد الرحال إلى الحجارة والطين والحصير والسجاد والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت